الدول الأموية، القضاء على أمن الجماعة وسكينتها التي كانت قد بدأت ستنشى ريَّاها، غير أن أعظم ما ظفرت به منه هو الرضى بادعاء النبوة. أنها لهجت من قبل بتأليه علي [1] غير أن عليًا حرق بالنار من افتروا هذا الإفك، ولم تظفر حتى عهد المختار بمن يرتضى الجهر بأنه يوحى إليه ممن ينتسبون إلى الجماعة الإسلامية. وكانت تريد الظفر بهذا؛ لتهز ركنا قويا من أركان الإسلام، هو الاعتقاد بأن محمدا خاتم النبيين، فتصرف قلوب الناس عن وحي الله إلى وحي الشيطان، وحي الوثنية والشر والكراهية، وتربط ضحاياها بالعهد مع نبي، لا مع زعيم، فللنبوة قدسية تدفع نفس المؤمن بها إلى التضحية في سبيلها، وليس من يقاتل في سبيل زعيم كمن يقاتل في سبيل نبي!.
وهكذا هللت السبئية للمختار، ودقت له الطبول، وبشرت به نبيا يوحى إليه وتقاتل الملائكة دونه، ثم اندفعت معه تجالد كما لم تفعل من قبل؛ لترسخ في أعماق المخدوعين عقيدة أنه نبي عقدت له السماء ألوية النصر، وصنعت على لسانه سجعًا ينضح بالتعالي زاعمة أنه وحي يتنزل به الروح الأمين على قلب المختار وصنعت له كرسيا زعمت أنه من بقايا التابوت الذي كانت فيه سكينة ورحمة لبني إسرائيل [2] ، وقد خدع كثير من الناس بدجل المختار وكرسيه، وبالظفر تلو الظفر يناله في كثير من المعارك التي كان يخوضها. ولا يدهشنا أن تقاتل السبئية هذا القتال المرير مع المختار، وهي التي خنست عن نصرة الحسين، وتركته وحده لمصيره.
لا يدهشنا هذا؛ لأنها كانت تريد أن يقتل الحسين؛ لتتصدع الجماعة بمقتله ولتتخذ من مقتله مناحة الأبد التي لا تسكن لها ثارات ولا أحقاد؛ لأنها وجدت في المختار إربها، فقد ادعى النبوة [3] . وادعاؤها بين الجماعة الإسلامية حدث خطير، وجرأة بالغة يمهدان لدعاوى أشد نكرا! كانت السبئية لا تحب أن ينتصر الحسين، إذ كانت علي بينة من أنها لن تستطيع السيطرة على عقيدته، أو أن تجعل منه سبئيا، كانت تؤمن أنه سيدمرها إن ادعت له نبوة أو ألوهية كما
(1) قال ابن سبأ بعد قتل علي: (لو أتيتمونا بدماغه سبعين مرة ما صدقنا موته، ولا بموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا) وحينما حرق علي بالنار أتباع ابن سبأ قال الناجون منهم: (الآن صح عندنا أنه الله، لأنه لا يعذب بالنار إلا الله) انظر ص 180، 186 جـ 4 الفصل لابن حزم ط 1321.
(2) انظر قصة هذا الكرسي ووصفه في ص 378 جـ 3 الكامل، ونحن نلحظ الصهيونية التي تربط بين كرسي المختار وبين تابوت اليهود.
(3) يقول أبو المظفر الإسفراييني: (إن السبئية خدعوا المختار، وقالوا له: أنت حجة الزمان، وحملوه على دعوى النبوة، فادعاها، وزعم أن أسجاعه وحي يوحى إليه) ص 20 التبصير، وانظر ص 184 جـ 4 الفصل لابن حزم ويقول فلهوزن عن السبئية: (صار لهم شأن سياسي على يد المختار، وهو الذي اتخذهم جيشا له) ويقول ابن قتيبة عن المختار إنه زعم: (أن جبريل وميكال يأتيان إلى جهته، فصدقه قوم واتبعوه وهم الكيسانية) ص 84 - 88 تأويل مختلف الحديث.