استطاع زعماء جمعية الاتحاد والترقي القيام بثورتهم يعينهم يهود سالونيك [1] . ولم لا يفعلون، وهم يقضون على الخلافة الإسلامية بأيد إسلامية؟ وأرغم عبدالحميد على إصدار الدستور، ولكنه عاد، فألغاه، فاقتحم قادة الجيش في سالونيك العاصمة بقيادة حسين حسني ومصطفى كمال وخلعوا عبدالحميد، وأجلسوا على العرش أخاه محمد رشاد الخامس ثم جاء دور الاحتضار الأخير للإمبراطورية، وقد بدأ باشتراكها في الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وقد انتهت بتدميرها، ويتجلى حقد الصليبية على الإسلام وشماتتها فيما سطره بروكلمان؛ إذ يقول:"لقد قضت - يعني الإمبراطورية العثمانية - بوصفها ممثلة لمبدأ أبلته الأيام، وطرحته وراءها ظهريًا؛ لتنهض على أنقاضها الدولة التركية القومية الحديثة" [2] ويقصد المؤرخ الصليبي بالمبدأ الذي أبلته الأيام: الإسلام، ويريد من قوله: الدولة التركية الحديثة: الدولة التي تنكرت للإسلام، وصممت على القضاء عليه!
إن كتاب الله باق يضيء للإنسانية سبيلها إلى سعادة الخلود، ولن يبليه كر القرون، وما كان سقوط العثمانيين إلا برهانًا قويًا على أن الله ينتقم دائمًا لهذا الكتاب الجليل من أولئك الذين يزعمون أنهم خلفاء الله وأولياؤه، وهم يبغون على دينه وكتابه.
البهاء في عكا:
ظل البهاء والبهائيون قرابة أربعة أشهر تحت الرقابة في عكا، وفي خلالها امتدت يد الاستعمار الجديد إلى الطريد الشريد تضع المال الوفير في يده، وفي يد الحكام هناك، فأطلق سراحه، ونال من الحرية والسعة ما أريد له [3] غير أنه أسرف في استغلال هذه الحرية المشتراة؛ إذ دبر مؤامرة لإبادة أتباع أخيه الذين عينتهم الحكومة عيونًا عليه؛ فأبادهم ليلًا بالحراب والساطور، وأثبت
(1) يسمون (الدونمة) أي اليهود الذين صاروا مسلمين، وكانوا ثمت يسيطرون على الحياة الاقتصادية، وقد ثبت ولاء هذه الطائفة لإسرائيل رغم أسمائها الإسلامية. ويقول الأستاذ الكبير محمد التابعي: (إن كمال أتاتورك من أصل يهودي، وإن الطبقة الحاكمة في تركيا وفي كل العهود من طائفة الدونما) أخبار اليوم العدد 884. ص 83 جـ 4 تاريخ الشعوب الإسلامية.
(2) (( ص 89 المصدر السابق، وقد قال الأستاذ الكبير يحيى حقي في مقال له(مع الناس) بجريدة المساء عدد 1915 بتاريخ 16 شعبان سنة 1381 - 22 يناير سنة 1962 ما يأتي: (طالما رأيت صوره - يقصد مصطفى كمال، أو أتاتورك - أثناء المعركة وهو جالس بين مشايخ الإسلام في الأناضول يده في يدهم يحلفون على القرآن، فلما انتصر. مزق القرآن، ولبس البرنيطة وشنقهم جميعًا دون أن تطرف له عين. وكنت في مدينة جدة بالحجاز يوم إلغاء الخلافة، فرأيت جميع قناصل الدولة الاستعمارية، وكلهم من رجال وزارة المستعمرات - لا الخارجية - يقيمون الحفلات ويسكرون ابتهالًا بهذا الإلغاء) .
(3) (( في هذه الفترة استصرخ شاه إيران برسالة جاء فيها:(أنكرني المعارف وضاقت علي المخارف، وقد استهل مدمعي حتى بل مضجعي) وقوله هذا لا تشم منه سوى رائحة عاشقة بغيضة تسهر على فراشها المهجور.