هذه المعارك: في أتون معارك البابية قال باب الباب لرجال الجيش"إننا جميعا نؤمن بالله ورسوله، ونعترف للأئمة الهداة بقيادة أمور الدين، ونقر بأن هذا القرآن الكريم هو كلام الله. غاية ما هنالك أننا بعد الجهد والتحقيق وصلنا إلى نقطة هي إيماننا بأن القائم بهذه الدعوة هو موعود الإسلام".
وأقول: إن النضال يشرف بشرف عقيدته وغايته، ووسائله وبالدماء التي تراق في سبيله. وما كانت عقيدة البابية إلا وثنية جاحدة، ولم تكن غايتهم إلا خيانة لله ولرسوله، ولم تكن وسائلهم إلا الغدر واللؤم والعرض المستباح، ولم يكن المناضلون إلا أو شابا لفظتهم مقومات الدين والخلق. ويقول شيخ شيعي عقب هذه المعارك:"إننا معشر المجتهدين نؤكد أن الإمام الثاني عشر لا يزال باقيًا خلف الغيب" [1] : كان النضال - إذن - بين ضلالة وضلالة، بين جماعة تزعم أن الإمام لا يزال غيبا مكنونا، وبين جماعة تزعم أن هذا الغائب قد تجسد! ألا ما أتفه النضال!؛ فإنه بين خرافة أفتنت الشهوات في تصوير إعجازها وسحرها، وبين الخرافة نفسها، وقد جسدتها الصبابات والأهواء في مسخ يتراءى في صورة بشر. كان بين خرافة نسجتها عناكب الحقد والكيد للإسلام، وبين هذه الخرافة نفسها، وقد صورها وله الحرمان وشهوة الاستعمار في صورة كائن ترعشه قشعريرة من حياة. إن السبئية تعمل؛ ليظل الإمام غيبا أبديا، لتسيطر على مصائر العبيد، ليشدوا إلى هواه مشاعر الأذلاء الذين يأنفون الحرية؛ ويحبون أن يظل وثاقهم مشدودًا إلى إفك مفترى، وأعينهم تدور زائغة في كهوف الماضي الرهيبة الظلام باحثة في ظلمائه عن الأمل! عن المعبود الذي غاب! فلا يعملون لحاضر، ولا يبنون لمستقبل! كأنما قذف بهم في غيابة قبر، وسد عليهم، وحينما ادعى أولئك البابيون أن الموعود قد ظهر، شعر كهنة الصنم بالخطر! شعروا بزلزلة يرجف منها سلطان ذلك المغيب المهول المجنح بالأسرار، فثاروا يدفعون عن شهوات هيم فرضت على العبيد الإيمان بما تشتهيه.
أما البابيون، فقد ملوا الخنوع والعبودية لصنم مجهول، وعملوا؛ لكي ترتبط النفوس بصنم يرونه، وتستلم شفاههم أعتابه، لا بصنم مدرج في أكفان عدم يتراءى بأنه جلوة الخلود، وليحققوا من ورائه ذلك السلطان الكبير الذي هولت الأحاديث الزائفة في تصوير شأنه، وزعمت أنه يتحقق على يدي القائم، وهو عين ما تحلم به الصهيونية مع مسيحها الموعود.
(1) ص 368، 451 الكواكب.