يسمى باسم، ولا يذكر بذكر، ويضلون مع هذا التجريد، وهذا السلب أو النفي في تيهه الذي ليس له من آخر!، فهل تجد أو ترى بعد هذا التجريد الصرف، أو السلب الخالص وجودا، أو تحس به، أو انك في الحقيقة لا تتصور ولا تجد سوى مفهوم العدم!. قد يقال: كيف يتهمون بأنهم يحكمون على الحقيقة الإلهية بأنها عدم؟ وهم يحكمون عليها بأنها وجود، وفرق كبير بين الوجود والعدم؟ وأقول ردًا على هذا: إن التفرقة هنا تفرقة اسمية، أو لفظية، أو تصورية، فحسب؛ لأن مفهوم الوجود مع هذا التجريد، هو: مفهوم العدم؛ فالتفرقة الحقيقة تستلزم وجود شيئين، ووجود صفة في أحدهما ليست موجودة في الآخر، فبماذا نفرق بين الوجود البهائي وبين العدم؟ والبهائية تنفي عن وجود كل اسم وصفة إيجابيه، أو سلبية. وبتعبير آخر نقول: إن كل موجود لابد له من صفة تبين: ما هو، وبها يثبت وجوده، وصفة سلبية بها يتميز عن غيره، وإلا فلن نستطيع التفرقة بين اثنين، والبهائية تنفي عن ربها كل صفة ايجابية فكيف تسميه وجودا، أو بماذا تثبت وجوده؟ وتنفي عنه كل صفة سلبية، فكيف تميزه عن سواه؟ وأقول أيضًا: إن التفرقة تستلزم التحديد، والتحديد يستلزم وجود الصفات، وهم ينفونها، ثم هم يقولون عن الله: إنه كلي، فإن كان كليهم هذا وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لزمهم الحكم على الله بأنه عدم، أو مجرد تصور ذهني فحسب. وإن كان وجودا مطلقا - لا بشرط الإطلاق - لزمهم الحكم على الله: بأنه جزء من المعينات، أو بأن وجوده جزء من وجود خلقه، أو بأن الخالق صنعة الخلق، أو هو هو، وهذا دينهم، والعقل لا يتصور أبدا أن يكون الخلق عين الخالق أو خالقا له، وهذا الذي لا يتصوره عقل، ولا يقره دين، هو: دين البهائية الذي يعبد عدما ويسميه وجودا، وصنما ويسميه ربا معبودا!
على أن أكثر نصوص البهائية - وما أشنع حدة التناقض بينها - تؤكد لنا - وإن حاولت الإنكار - أنها تدين بأن الله سبحانه بعض خلقه، وأنه ليس قيوما، ولا قائما بذاته، وإنما يستمد قيوميته وقيامه من غيره .. اسمع ما يقول عبدالبهاء في غلو التجريد، أو إسفاف التجسيم:"كل ما في الكون يا إلهي راجع إلى حيز المحدود والقيود، حتى الإطلاق، وإنك متعال عن ذلك" [1] ، وهذا معناه أن عبدالبهاء يدين بأن الله وجود مطلق، لا بشرط الإطلاق، ومعناه أيضا أنه يدين بأن الوجود الإلهي تابع للوجود الإنساني، أو جزء منه - فالمطلق لا بشرك الإطلاق - لا وجود له بذاته، وإنما يكون وجوده تابعا لوجود غيره. وتؤكد البهائية إيمانها بتبعية الوجود الإلهي للوجود الإنساني بزعمها أن الله لا يتحقق وجوده إلا معينا في هيكل بشري به يتحقق وجود
(1) (( ص 220 مكاتيب. والقاشاني في شرح الفصوص يقول:(والله منزه عن التقييد والإطلاق) ص 70 ط 1309.