فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 284

وسلك ابن سبأ سبيلا آخر، وهو العمل في سبيل أن يفقد المسلون الثقة في حكامهم، فجدَّ يدمغ بالبهتان الأسود ولاة المسلمين الذين يشعر أنهم خطر بالغ عليه [1] والذين لهم من فتوتهم وشبابهم وبطولاتهم ما يجعلهم مثلا عليا في نظر شبيبة الإسلام، وما يجعل مستقبل الدولة رفافا عليهم، وكان يعد لما يبهت به هؤلاء شهود زور ممن لهم وجوهٌ تتراءى بسيماء السجود، وذمم يشريها كأس من الخمر، أو وعد به، وممن يسلكون الدروب المظلمات من النفاق، فلا تبصر بهم عيون العدالة. اجترح ابن سبأ هذا، وهو يفتري حماس الداعين إلى تطهير المجتمع الإسلامي من الفساد والمفسدين، وغايته المغيبة وراء نفاقه وريائه تدمير كل عقبة تعترض طريقه.

ويزحف هذا الأفعوان - الذي قذفت به الصهيونية؛ لينجح فيما فشل فيه كعب الأحبار - هنا وهناك نافثا سمومه في كئوس ذات ألوان متباينة يخدع بها الشاربين عما فيها، فهو الميتم بحب آل البيت تتيما ينزع إلى العبادة، وهو الفوار الحقد على من قيل أنهم سلبوا عليا حقه، وهو الثائر على العصبية العربية مع الحاقدين عليها من الموالي، وهو الداعي إلى تحقير شأن هؤلاء، وهو الحزين المؤرق المسهّد لما يسود المجتمع من سفه، وهو الناقم من عثمان - كما يزعم المفترون - إيثاره لبني أمية بغيا وعدوانا، وهو المندد باضطهاد الأمويين لغيرهم من أبناء البطون الأخرى! ويشهد تاريخ الحقيقة أن"ابن سبأ"وعصابته هم الذين افتروا هذه الظنون، وأفكوا هذا البهتان، حتى اضطراب المجتمع، وارتاب في كثير من ولاته. ولم يكتف"ابن سبأ"بهذا، بل ثور الإفك ضد عثمان نفسه، فقد كان هو الهدف، فاستجاب لهذا الإفك فئة أمشاج ممن ظفر بهم"ابن سبأ"، فقتلوا في الفتنة الشعواء عثمان ذا النورين شهيد الأريحية والسماحة والكرم، فاحتدم الصراع، واضطرم به المجتمع الإسلامي كله، وقذف ابن سبأ وعصابته بشواظ منه، فأجج الفتنة به بين علي ومعاوية، فانقسمت الأمة على نفسها، وحملت السلاح تدفنه في صدورها، وهي لا تدري أن الصهيونية هي التي وضعت هذا السلاح في يدها، وسعرت هذه الكراهية في قلبها، ولقد همت الطائفتان أن تفيئا إلى السلام، فأدرك ابن سبأ وأنصاره - وهم بين جماعة علي - أن في هذا السلام قضاء على أحلامهم وعليهم، فأثاروا فتنة الخوارج؛ ليشغلوا بحربهم عليا، فتتحطم قوته هذه التي كان من الواضح حينئذ أن سيكون لها الغلب، فإذا

(1) كما حدث للبطل الإسلامي العربي الشاب (الوليد بن عقبة) ، فقد دبرت له مكيدة محكمة وهو أمير الكوفة في عهد عثمان، فبهت بأنه شرب الخمر، وصلى بالمسلمين صلاة الصبح وهو مخمور وشهد ضده موتوران خربا الذمة من عرابيد الليل السكران. على حين كان الوليد من مغاوير الأبطال، وكان موضع السر في الرسائل الحربية المتبادلة بين أبي بكر وخالد، وقاد الفيالق الإسلامية إلى شرق الأردن، وقد كشف عن هذا الأستاذ الكبير محب الدين الخطيب في تعليقه على العواصم من القواصم، وأتى بالأدلة القاطعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت