حقه بباطلها، فلا عجب إذا رأيناها تستعين بكل بدعة منكرة سواء أكانت يهودية أم مجوسية، أم صليبية - في حربها للإسلام [1] ؛ لكي تجهز على هذه القوة الباهرة التي لا تعرف إلا النصر والظفر في الجهاد في سبيل الله، وإلا تعبيد كل سبيل لمواكب الحب والإخاء والحق والنور. وقوة الإيمان الصادق في قلوب المسلمين.
ولقد كان المسلمون - والصهيونية تختل بهذه البدع - في شغل بالفتنة عن القرآن، فاستطاعت أن تستميل بعض القلوب التي هجرت النور، فكرهت الخير الذي كان يهديها في الظلمات! وما أتعس من يترك مصباحه الوهاج، وهو يتجشم السرى في الليل الرهيب!
طائفتان: كان هناك في المجتمع طائفتان بارزتان تنابذان الأمة الإسلامية العداء هما الخوارج والشيعة [2] وكانت هذه لا تزال تخاتل بالمعنى الساحر لكلمة الشيعة أي أنصار علي فحسب، ولقد حملت الفرقة الأولى مهمة تدمير قوى المسلمين المادية بما أججت من حروب، وسعرت من ثورات وصراع، وكانوا صبرا على القتال مستلئمين في الجلاد. أما الطائفة الأخرى، فكانت مهمتها تدمير قوى المسلمين الروحية بما بثت من بدع ومعتقدات فاسدة [3] جعلت من كثير أشباحا واهنة هزيلة تخيفها النأْمة، ونفوسًا خبا فيها الشعور بالحياة، وعقولا تمقت النور، فلا تأذن لشعاعه منه أن تهدى لما حيرة!
ووراء الفرقتين كانت الصهيونية بكيدها ومكرها ولآمتها. ولا يروعنا أن نراها مع جماعة تغلو في التعبد والتهجد، وتنهك قواها في طول السجود، ونراها مع جماعة أخرى تسرف في
(1) نضرب مثلا بما دسه كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما ممن لم يذكر التاريخ أسماءهم، وإن كانوا قد سجلوا على صفحاته آثارهم.
(2) (يقول ابن حزم:(إن جميع فرق الضلالة لم يجر الله على أيديهم خيرا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام راية، ومازالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين، أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره، وما توصلت الباطنية إلى كيد الإسلام وإخراج الضعفاء منه إلى الكفر إلا على ألسنة الشيعة) ثم يقول: (واعلموا أن كل من كفر هذه الكفرات الفاحشة ممن ينتمي إلى الإسلام، فإنما عنصرهم الشيعة والصوفية) إنها نظرة من نظرات ابن حزم الثاقبة! انظر ص 227 جـ 4 ط 1321 الفصل.
(3) (( يقول المستشرق الألماني الكبير فِلْهَوْزِن في كتابه تاريخ الدولة العربية(غير السبئية الإسلام من أساسه ... فذهب السبئية إلى أن شخص النبي لم يمت بموت محمد، بل هو باق في سلالته واحدا بعد واحد، وبنوا مذهبهم على القول بتناسخ الأرواح، ووجهوه توجيها خاصا، فقالوا: إن روح الله الذي يسري في الأنبياء ينتقل بعد موت كل نبي إلى النبي الذي بعده. وإن روح محمد خاصة انتقل إلى علي، وإنه باق في سلالته، وعلى هذا فإن عليا لم يكن في نظرهم هو الخليفة الشرعي لمن قبله وحسب، بل كان في مرتبة أعلى من مرتبة أبي بكر وعمر اللذين يزعم الشيعة أنهما دخلا بينه وبين محمد واغتصبا حقه، بل ذهب السبئية إلى أن عليا هو الروح الإلهي المتجسد، وأنه وارث النبوة. وكانت لهم أوكار في بعض قبائل العرب في الكوفة، لكنهم بعد ذلك درجوا منها، وانتشروا في الكوفة نفسها خصوصا بين موالي الفرس الكثيرين) ص 64.