فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 382

العراق على أيدي المغول، وفي الأندلس على أيدي الصليبيين، زيادة على ما أصاب بلاد الشام من أضرارٍ على أيدي الصليبيين و المغول جميعًا.

وفي وسط تلكَ الغُمّة التي ألمّت بالوطن العربي مُنذُ القرن السابع الهجري لم يجد عُلماء المشرق والمغرب بلدًا عربيًا آمنًا تطيب لهُم فيهِ الحياة سوى مصر التي غدت مركزًا للخلافةِ العباسية: (وصارت محل سكن العُلماء ومحط رحال الفضلاء) [1] فنمت في القاهرةِ مراكز العلم، ودور المعرفة وانتشرت فيها المكتبات، وإزدهرت حركة العلم، وأصبحت مصر ملاذ العُلماء ومأوى طلبة العلم، يتوافدون إليها من أطراف البلاد الاسلامية وانتقل عدد من العُلماء إليها، وظهرت في بلادِ الشام ومصر مراكز ثقافية جديدة فكان لها دور مهم في الحركةِ الثقافية.

لقد أسهمَ سلاطين المماليك إسهامًا فعالًا في تنشيطِ العلم والمعرفة فبنوا المساجد والمدارس والخوانق [2] ، وأنشؤوا خِزانات الكتب، وعينوا من يُشرِفُ على ذلِكَ من العُلماءِ والموظفين، وأجروا عليهم المُرتبات، ومنحوا طلبة العلم المُكافآت حتى غدت مصر في أيامِ المماليك، ميدانًا واسعًا لنشاطٍ علمي كبير يدل عليهِ ذلِكَ التُراث الضخم من الموسوعاتِ في شتى العلوم والفنون [3] ، ومما أدى إلى نشاطِ الحركة الثقافية تشجيع المماليك لها، فلقد برز من بينهم سلاطين كان لهم إهتمام بالعلوم وولع ببناء المدارس ومؤسسات التعليم، وكان كثير من هؤلاء السلاطين ذوي ثقافية عالية، شغوفين بالمجتمع المثقف والدراسات الأدبية والعلمية، وقد أدركوا أنهُ لا شيء يُقربهم ويوطد سلطانهم بين الناس إلا أن يعظموا الدين وأهلهُ، ويرفعوا من قدر العلم والعلماء فأسسوا المدارس، وأرصدوا لها العلماء، فهرع إليها الألوف من الطلاب ينهلون العلم من أصفى مواردهِ، ويدرسون الفقه على مختلف مذاهبهِ، فكانت المدرسة الصالحية و الصلاحية، والظاهرية والناصرية والكاملية والبيبرسية والشيخونية والمؤيدية

(1) حسن المحاضرة:2/ 49.

(2) الخوانق: جمع خانقاه، وهي كلمة فارسية معناها البيت والأسم مركب من كلمتين خوان وكاه، فالخوان: مائدة الطعام، وكاه: المكان، فيكون الخانقاه مكان مائدة الطعام أو محل إطعام الطعام، وقد أصبح خاصًا بالمتصوفين، لأنهم يقيمون بين جدرانهِ لا يُفارقونه، الخطط المقريزية: 2/ 414.

(3) يُنظر: العص ر المماليكي في مصر والشام/د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة. ط 1، 1965 م.: ص 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت