المتوصّل إلى العفو بدفع الوقت
أتي عبيد الله بن زياد»
بخارجيّ فأمر بقتله، فقال: إن رأيت أن تؤخّرني إلى غد فأمر بتأخيره فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
فعفا عنه. وغضب المأمون على علي بن الجهم فقال: لآخذن مالك ولاقتلنك أقتلوه. فقال أحمد بن أبي دؤاد: إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين؟ قال:
من ورثته، فقال: حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك. فقال: يؤخّر حتى يستصفى ماله. وانقضى المجلس وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه.
قال شاعر:
وإذا ابن عمك لجّ بعض لجاجه ... فانظر به غده ولا تستعجل
المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن
قال الله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)
وقيل: لوال: تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة. وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فأطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له.
وقال الشعبيّ لعبد الملك: إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
فأخذ هذا المعنى شاعر، فقال:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في يده السّهم
التثبّت في العقوبة نصف العفو
قال المتنبّي:
ترفّق أيّها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
نهي العافي عن التثريب
رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب فافعل. وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به.
وقيل: العفو مع العذل أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:
إن كنت تعفو فاعف عفو مهنئ ... إحسانه إنّ الكريم وهوب
قل قول يوسف حين قال لإخوة ... جاؤه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكر ... من مثلك التقويم والتأديب
وفيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:
إذا عوقب الجاني على قدر جرمه ... فتعنيفه بعد العقاب من الرّبا