(6) ومما جاء في التواضع والكبر
ما حدّ به التواضع والكبر
قيل لبعضهم: ما التواضع؟ قال: أخلاق المجد واكتساب الود.
فقيل ما الكبر؟ قال: اكتساب البغض.
وقيل لأزدشير: ما الكير؟ فقال: اجتماع الرذائل لم يدر صاحبها أين يضعها فيصرفها إلى الذم.
فضل التواضع والحثّ عليه
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: طوبى لمن تواضع التواضع أحد مصائد الشرف، من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره وفي الثمل تواضع الرجل في مرتبته زبّ للشماتة عند سقطته.
وقيل: من وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره ومن رفعها عن حده وضعه الناس دون قدره.
وقيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها؟ قال: نعم التواضع فقيل:
هل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ قال: نعم الكبر.
فضل كبير متواضع
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك ويقول: لو دعيت إلى كراع لأجبت.
وكان يحيى بن سعيد خفيف الحال فاستقضاه أبو جعفر فلم يتغير فقيل له: في ذلك فقال: من كانت نفسه واحدة لم يغيره المال.
ولما ورد المرزبان على عمر رضي الله عنه فاورد باب داره وقرع بابه فقيل: أنه قد خرج آنفا فكانوا يسألون عنه فيقولون مر من ههنا آنفا،
فاستحقر المرزبان أمره، إلى أن انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد فلما رفع رأسه امتلأت نفس المرزبان منه رعبا فقال: هذا والله الملك الهنئ لا يحتاج إلى حراس ولا إلى عدد وقال عمر رضي الله عنه حين نظر إلى صفوان مبتذلا لأصحابه هذا رجل يفر من الشرف والشرف يتبعه.
وقال معاوية لرجل: من سيّد قومك؟ فقال: الجاهم الدهر إليّ فقال بمثله من التواضع يحل الشرف.
وقال عمر رضي الله عنه أريد رجلا إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبعضهم فإذا لم يكن أمير فكأنه أميرهم، قال أبو تمام:
متبذل في القوم وهو مبجّل ... متواضع في الحيّ وهو معظّم
وقال آخر:
متواضع والنبل يحرس قدره ... وأخو التواضع بالنباهة ينبل
قال الخوارزمي:
عجبت له لم يلبس الكبر حلّة ... وفينا إذا جزنا على بابه كبر