(ذمّ خليع متمثّل بما اعتقد فيه الصّلاح)
مرّ أبو حازم في بعض الليالي فسمع قائلا ينشد:
أسأت وقد أنبت فلا أعود
فقال: اللهم إن الرحمة بيدك وعبدك هذا قد اعترف بذنبه، وقرع عليه الباب وقال:
سل ما تريد فإنه كريم يعطيك، فقال:
فعد للوصل قد مسج الصدود
فقال أبو حازم: أنت من جند إبليس يا فاسق أتمزج الخبيث بالطيّب، أستغفر الله من دعائي.
ومرّ سفيان برجل ينشد:
أتوب إلى الذي أمسى وأضحى ... وقلبي يرتجيه ويتّقيه
تشاغل كلّ مخلوق بشيء ... وقلبي من محبّته وفيه
فدنا منه وأخذ يبكي معه، ثم قال:
عسى قلب الممكّن من فؤادي ... يدقّ لذلّ طاعة عاشقيه
فقال سفيان: اللهم لا تضلّنا بعد إذ هديتنا. ومرّ ناسك بدار فيها أبو نواس ينشد:
إن في توبتي لفسخا لجرمي ... فاعف عنّي فأنت للعفو أهل
فرفع يده وقال: اللهم تب عليه، فقال:
لا تؤاخذ بما يقول على الس ... رّ فتى ماله لدى الصحو عقل
فقال: اللهم أرشدنا.
خليع تأوّل كلام صالح على اعتقاده
سرق لرجل دراهم فقيل له: تكون في ميزانك غدا، فقال: مع الميزان سرقت.
وسرق لآخر خرج فقيل: لو قرأت عليه آية الكرسي لما سرق، فقال: كان فيه مصحف.
وسرق أعرابي نافجة مسك فقيل له: من غل شيئا يأتي به يوم القيامة، فقال إذا والله آتي بها خفيفة المحمل طيبة الريح.
عكس ذلك
روي أن رجلا سأل بلالا وقد أقبل من الحلبة من سبق، فقال: المقربون فقال السائل: سألتك عن الخيل فقال: إنا أجبتك بالخير. قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار.
وقيل لأبي الدرداء وكان مريضا: ما تشتكي؟ قال:
ذنوبي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل أندعو لك طبيبا قال: الطبيب أمرضني.
وجاز الشبلي بمن يقول السعتر البري فتواجد، فقيل له ما يقول؟ قال يقول الساعة ترى بري. وأمّ أبو العلا عمرا يوما فلما قال استووا غشي عليه. وقال: قد وقع بقلبي هل استوى معي طرفة عين.
أنواع مختلفة
قيل ليحيى بن معاذ: ما بال أبناء الدنيا يحبون الزاهدين وهم يفرون منهم، قال: ذلك كالدباغ يستروح إلى العطار والعطار يفر من ريحه.
وقال ابن أبي الورد:
إبليس يقول من ظن أنه نجا مني فبجهله وقع في حبائلي. ومرّ داوود الطائي برطب فقال لبائعه انسئني بدرهم لغد فأبى فتبعه رجل وعرض عليه المال، فوجده يقول: يا نفس تريدين الجنة وأنت لا تساوين درهما، وأبى قبول المال.
وقال: إنما أردت أن أعرف نفسي قدرها.
وقال راهب: إزهد في الدنيا ودع أهلها. وكن مثل النحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن وقعت على عودة لم تنكسر. وقالت امرأة العزيز: الحمد لله الذي جعل العبيد بطاعته ملوكا والملوك بمعصيته عبيدا.
وقيل: المحسن في معاده كالغائب يرد إلى أهله مسرورا والمسيئ كالآبق يرد مأسورا.
وقيل في قوله صلّى الله عليه وسلّم: نية المرء خير من عمله، أي خير يعد من عمله وليس من للتفصيل.
وقال ابن عباس: كنا نحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يركب الناس الصعب والذلول فلما ركبوهما أقلنا.
وقال الزهري: حدثني فلان وفلان قبل تلاطخ الأحاديث.
وقال الحسن: يا ابن آدم تحب الصالحين وتفر من أعمالهم وتبغض الفجار وأنت منهم. وعن بعضهم أنه قال: ما معي من الصلاح غير حبي لأهله.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: المرء مع من أحب.