ومن التمثيل الرائق قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ)
وقوله: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [سورة يس: 9] .
فهم لإعراضهم عن الدّين، وإصرارهم على المخالفة لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبلوغ الغاية في الصّدّ والنكوص، ممثّلون بحال من جعل على قلبه كنان فهو لا يفقه ما يقال له، ولا يرعوى لقبوله، وبحال من ضرب بينه وبين مراده بسدّ من بين يديه ومن خلفه، فهو لا يهتدي إليه، ولا يمكنه الوصول إلى بغيته بحال.
وقوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ)
فيه تنبيه على ما هم عليه من التّمادي في ركوب الباطل، وإكبابهم على الجحود والكتمان لما جاءهم من الحقّ، وقطع للرجاء بخيرهم، وسد لطريقه؛ لأن من كان بين يديه سد، ومن خلفه سد وأغشى على بصره، تعطّل، فأنّى يكون له اهتداء إلى طريق الخير، وسلوك بسبيله، وهذا باب من فنّ البلاغة يقال له التخييل، وسنورد فيه حقائق وأمثلة شافية عند الكلام في معاني البديع وخصائصه.