(فصل)
أجمع أهل التحقيق من علماء الدّين، والنّظار من الأصوليين، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم في كلام نوعيه، المفرد، والمركب، ويحكى الخلاف في إنكاره عن أبي بكر بن داود الأصفهانى، والحجة على ما قلناه: هو أن خلافه إما أن يكون في الجواز، أو في الوقوع، فأمّا الجواز العقلي فإنه ظاهر فإن الخطاب بالكلام الذي أريد به خلاف ما وضع له جائز من جهة العقل، والقدرة الإلهية لا تعجز عن مثل هذا فلهذا حكمنا به، وأمّا الوقوع فهو ظاهر في القرآن كثيرا قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ) [سورة الإسراء: 24] وقال تعالى: (فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) [سورة الكهف: 77] وقال تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) [سورة مريم: 4] ومن المركب قوله تعالى (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) [سورة يونس: 24] وقوله تعالى: (فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) [سورة النحل: 112] وعلى الجملة فالاستعارة، والتمثيل، والكناية، في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم أوسع من أن تضبط بحد، وسنورد من ذلك أمورا منبّهة على حسن البلاغة بالتوسّعات المجازية، وتقرير هذه الدلالة أن هذه المجازات إما أن يراد بها معنى، أو لا، والثاني باطل منزّه عنه كلام الله، والأول إمّا أن يراد به ما وضع له، أو غيره، فإن أريد به ما وضع له فهو باطل، لأن الذّلّ لا جناح له، والإرادة لا تعقل من الجدار، والأخذ من جهة الأرض غير ممكن، لأنها غير قادرة، وإن لم يرد بها ما وضعت له فهذا هو الذي نريده بالمجاز وهو المطلوب.