مما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في ذكر علم الله وإحاطته بكل المعلومات:
قال - رضي الله عنه: عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارب إيماض الجفون وما ضمنته أكناف القلوب، وغايات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصايخ الأسماع، ومصائف الذّر ومشاتي الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الأقدام، ومنفتح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها، ومختبى البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفي الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال ومستقر ذاوت الأجنحة. بذرا شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار، وما أودعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل، وذر عليه شارق من نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات الأنوار، وأثر كل خطوة وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس همامة، وما عليه من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة، أو قرار نطفة، أو نقاعة دم، أو مضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، فلينظر الناظر ما تضمنه كلامه ههنا من الإشارة إلى كيفية الإحاطة له تعالى بالمعلومات بألطف عبارة وأرشقها، وهذا من أعجب أماكن الإطناب وأرفع مراتبه.