(هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)
اعلم أن من الألفاظ المفردة ما يتعلق بالبلاغة، ويستعمل في مواطن الفصاحة، ولم يمكن إيراده في أثناء هذه الفصول، لاختلافها لكونها غير مندرجة تحت ضابط واحد، فلا جرم أفردناها بكلام يخصها، وهي منقسمة باعتبار الكلمة إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول ما يتعلق بالأسماء
ونورد منها صورا
الصورة الأولى قولهم «هذا»
وهو من أسماء الإشارة، وهو إنما يرد على جهة الإشارة إلى كلام سابق، ومثاله قوله تعالى: (هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49)
فإنه لما قص ما ذكره من حديث الأنبياء أيوب وإسماعيل واليسع وذى الكفل، أكد تلك القصص باسم الإشارة، والعطف بذكرها على ما سبق، ليؤكد أمرها ويوضح حالها من أجل أن لا يخالج فيها لبس أن يعتريها ريب، ومصداق ما قلته من إفادتها للتأكيد هو أنها لا تأتي إلا وتعقّبها إنّ المؤكدة كما في ظاهر الآية من أجل إفصاح ما قلته من تأكيدها، وهذا كقولك لبعض إخوانك: رأيى لك أن تفعل كذا وكذا، ثم تقول بعد ذلك: هذا وإن الأمر إليك فافعل ما ترى، والمعنى هذا الذي أراه مصلحة لك في الدين والدنيا، وإليك الخيرة بعد في أمرك، وكقوله تعالى: (هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ(55)
فإنه ذكرها عقيب قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ(50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51)
أي هذا نعيم، وملك مقيم، وشرف وعلو مرتبة، والجملة التي بعدها ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنها واردة على جهة الابتداء، ولهذا جاءت متصلة بها، لتدل على تأكيدها، وقد يجيء بعدها جملة حالية، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب: «هذا ولم تشجر الرماح» ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح، ومثل قولك لمن لا ثبات له في الأمر الذي يحاوله، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده: «هذا ولم يطر الذباب» ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها، وأصابك لهبها وشرارها.