(إشارة)
إذا أوجبتم ما تقدم من وجوب الملاءمة بين المعطوف والمعطوف عليه فكيف يقال في قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) وأي ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها؟
قلنا فيه أجوبة ثلاثة:
أحدها أنه لما ذكر أنها مواقيت للحج، وكان من عادتهم ذلك كما نقل في الحديث أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت يدخل منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة أو الخباء، فقيل لهم: ليس البر تحرّجكم من دخول البيت، ولكن البر من اتقى محارم الله.
وثانيها أن يكون ذلك معطوفا على شيء محذوف، كأنه قيل لهم عند سؤالهم: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى فيه حكمة عظيمة، ومصلحة ظاهرة في الأهلة وغيرها، فدعوا هذا السؤال، وانظروا في خصلة تفعلونها أنتم مما ليس، من البر في ورد، ولا صدر، وهي إتيان البيوت من ظهورها، فليست برّا، ولكن البر هو تقوى الله تعالى والتجنب لمحارمه ومناهيه.
وثالثها أن يكون واردا على جهة التمثيل لما هم عليه من تعكيس الأسئلة ولما هم بصدده من التعنت، وأن مثالهم في سؤالاتهم المتعنتة، كمثل من ترك باب الدار، ودخل من ظهر البيت فقيل لهم: ليس البر ما أنتم عليه، ولكن البر هو التقوى.
ومنه قوله عليه السلام، حين سئل عن التوضؤ بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . فلما كان للبحر تعلق بحل الميتة كما كان له تعلق بجواز التوضؤ، ذكره على أثره، وأردفه به، وأتى به من غير واو، ليدل بذلك على أنهما جميعا من حكم ماء البحر ومن لوازمه.