(الفصل الخامس في الإبهام والتفسير)
اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة، ويكسبه إعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام، فإن السامع له يذهب في إبهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ)
ثم فسره بقوله (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)
وهكذا في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما)
فأبهمه أولا ثم فسره بقوله: (بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) [سورة البقرة: 26] ففى إبهامه في أول وهلة، ثم تفسيره بغير ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، وإن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا بعوضة، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه في الفصاحة، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الإبهام أولا يوقع السامع في حيرة وتفكّر واستعظام، لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع إليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته، ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم فعلا وحسبا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا، ثم تقول: فلان- فإن هذا وأمثاله يكون أدخل في مدحته مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل الأنبل، وما ذاك إلا لأجل إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، وكل ذلك يؤكد في نفسك عظم البلاغة في الكلام إذ أبهم أولا، ثم إنه فسر ثانيا، ثم في إفادته لما يفيده من ذلك ضربان:
الضرب الأول منهما ما يرد مبهما من غير تفسير، ووروده في القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى في قصة موسى (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) [سورة الشعراء: 19] فلم يذكر الفعلة بعينها مع كونها معلومة لما في ذلك من المبالغة في أمرها وتعظيم شأنها، كأنه قال: تلك الفعلة التي عظم أمرها، وارتفع شأنها، وكقوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [سورة الإسراء: 9] يريد بذلك الطريقة أو الحالة أو الخصلة إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة، وأي شيء من هذه الأمور قدّرته فإنك لا تجد له من البلاغة وإن بالغت في الإفصاح به، الذي تجده من مذاق الفصاحة مع الإبهام، من جهة أن الوهم يذهب معه كل مذهب، لما فيه من المحتملات الكثيرة ومن هذا قوله تعالى: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ(78) [سورة طه: 78] يريد أنه بلغ مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه فحذف ذاك وأقام الإبهام مقامه؛ لأنه أدل على البلاغة فيه كما قررناه، ومنه قوله تعالى (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى(53) فَغَشَّاها ما غَشَّى (54) [سورة النجم: 53، 54]
فهذه أبلغ من الآية التي قبلها لأن إبهامها أكثر، فلهذا كان أبلغ وأوقع، ولهذا فإنه قال في الأولى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) [سورة طه: 78]
واليم هو البحر فصار الذي أصابهم من الألم والتعب إنما هو من البحر، خاصة لا من غيره، بخلاف الثانية، فإنه أبهم فيها الأمر الذي غشيها، ولم يخصه بجهة دون جهة، وهذا لا محالة يكون أبلغ؛ لأن الإنسان يرمى به خاطره فيه كل مرمى، ويذهب به كل مذهب.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى(10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) [سورة النجم: 10 - 12]
فأبهم الأمر في هذه الأمور الثلاثة فيما شرح الله به صدره من العلوم الموحاة، وأن الفؤاد ما أنكر ما رأى من تلك العجائب الإلهية، ثم عقبه بالإنكار عليهم في المماراة له في الذي رآه، وما ذاك إلا لأنه قصد تعظيم حالها، وأنها بلغت في الفخامة مبلغا لا تدركه العقول، كأنه قال: أوحى إلى عبده أمرا أي أمر، واللام في الفؤاد للعهد؛ لأن المراد هو فؤاد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، كأنه قال: لا ينبغي لمثل ذلك الفؤاد أن يكذب ذلك الأمر، ولا يصلح في مثل ذلك الأمر أن تقع فيه المماراة بحال.
ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) [سورة طه: 69] كأنه قال: ألق هذا الأمر الهائل الذي في يمينك، فإنه يبطل ما أتوا به من سحرهم العظيم، وإفكهم الكبير، وكما يرد على جهة التعظيم كما أشرنا إليه، فقد يكون واردا على جهة التحقير، كأنه قال: وألق العويد الصغير الذي في يمينك، فإنه مبطل على حقارته وصغره ما أتوا به من الكذب المختلق والزور المأفوك، تهكما بهم، وإزراء بعقولهم، وتسفيها لأحلامهم، ومنه قوله تعالى في المدح (فَنِعِمَّا هِيَ) [سورة البقرة: 271] فإن هذا إبهام نزل منزلا عظيما في إفادته المدح، وما ذاك إلا لأجل فخامته في الإبهام، فلهذا أفاد البلاغة، ومواقعه في القرآن أكثر من أن تحصى، ومحاسنه الكبرى أوسع من عديد الحصا، ومن الأمثلة الواردة في السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب من أحببت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه»
فهذا الإبهام إذا نظر فيه حاذق بصير، وفكر فيه ألمعي نحرير، وجده مع ما قد حاز من البلاغة مشتملا على مبان جمة، ونكت غزيرة، ومواعظ زاجرة، على تقارب أطرافه، وكثرة محاسنه وأوصافه.