فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 407

فإنما قدم الطائفين لأن سياق الآية في عظم العناية بالبيت والطائفون أقرب ما يكونون إليه، فلهذا قدمهم، ثم ثنى بالقائمين لأنه يلى الطواف في الرتبة لأن القيام يشملهما جميعا، وإنما جمعا لأن الجمع أدل على العموم من المفرد، وإنما جمعا جمع السلامة لأن في لفظ اسم الفاعل إشعارا بالتجدد والحدوث، كالفعل، فالطائفون والقائمون في معنى يطوفون ويقومون، وإنما عدل إلى لفظ اسم الفاعل تجريدا له عن تعلق الأزمنة التي يدل عليها الفعل، وكان اسم الفاعل أحق لما فيه من الإشعار بالحدوث والتجدد، وتجرده عن الدلالة على الأزمنة، ثم ثلث بالركع السجود، وإنما جمعه جمع التكسير وعدل عن مشاكلته لما قبله من جمع السلامة، لما ذكرناه من أن جمع السلامة في الطائفين والقائمين، فيه تنبيه على تجدد الطواف المختص بالبيت، والقيام، لأنه نوع منه، بخلاف الركوع والسجود، فإنهما لا يختصان بالبيت، بل كما يكونان فيه يكونان بغيره، ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطفه بالواو كما فعل بالقائمين. لأن الركع هم السجود، والشيء لا يعطف على نفسه، كما لا تقول: جاءني زيد والكريم، على أن يكون الكريم هو زيد، ولأن السجود قد يكون عبارة عن المصدر، فلو عطفه لأوهم كونه مصدرا والمراد الجمع، لا يقال: فهلّا قال: السّجّد، ليطابق قوله (الركع) كما جاء في آية أخرى: (تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) [سورة الفتح: 29] أو قال: الركوع ليطابق السجود، فما الوجه في المخالفة بينهما، لأنا نقول: السجود يطلق على وضع الجبهة على الأرض، وعلى الخشوع، ولو قال: السجد، لم يتناول إلا المعنى الظاهر من غير إفادة الخشوع، ويصدق ذلك قوله تعالى: (تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) لما كان من رؤية العين، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر، فقصد بذلك الإشارة إلى السجود المعنوي فالصورى، بخلاف الركوع، فإنه ظاهر في أعمال الجوارح الظاهرة التي لا يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدمين، دون أعمال القلب، فلأجل هذا جعل السجود وصفا للركّع، وإنما أراد الخشوع الذي هو روح الصلاة وكمالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت