فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 407

فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفار من عبدة الأوثان والأصنام، وأن من هذا حاله في الضعف والهوان والعجز كيف يستحق أن يكون معبودا، وأن توجه إليه العبادة، وهو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات، ولا يقدر على دفعه لو أراد به سوءا، فهذه في دلالتها على ما تدل عليه لم تبق عليهم في النعى شيئا، ولا تركت عليهم بقية في نقص عقولهم، والازدراء بأحلامهم، والتسفيه لما هم عليه من ذلك، فصدر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ولم يقل إن هذه الأوثان، تقريرا بالصلة والموصول لما هم عليه من اتخاذهم شركاء، واسم الأوثان والأصنام لا يؤدي هذا المعنى، ثم عقبها بالنفي على جهة التأكيد بلن في المستقبل بقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا)

دلالة على العجز وإظهارا في أن من هذا حاله فلا يستحق أن يكون معبودا، ولا يستأهل الشركة في الإلهية، ثم بالغ في استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى: (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)

لأن بالأجتماع تكون المظاهرة حاصلة، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع، فهو مع الانفراد أحق لا محالة، ثم أكد ذلك بقوله: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ)

يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب وتدبيره نهاية العجز، ويدل على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب والاستيلاء ما قدروا على أخذه والانتصار منه، وهذا هو النهاية في تقاصر الهمم وحقارتها وأنهم في الحقيقة جامعون بين خصلتين، كل واحدة منهما كافية في العجز، فضلا عن اجتماعهما، إحداهما عدم القدرة على خلق الذباب، والثانية عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شيء منهم، وخلاصة هذا الكلام وغايته، أنه يستحيل عليهم بإدخال النقص في حلومهم وضلالهم عن الحق فيما جاءوا من عبادة هذه الأصنام، أن أذل المخلوقات وأحقرها وأضعفها حالة، وأصغرها حجما، يقهرها ويسلبها ويأخذ

متاعها لا تنتصر منه، وأدخل من هذا في العجز أنه قادر على سلبهم فلا يمتنعون منه، ثم قال: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)

فعقّب هذه الآية دلالة على الاستواء في الضعف بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظم قدرته وأن الكل، من الذباب والأصنام ضعيفة حقيرة بل لا متنع أن يكون الذباب أتم خلقا لكونه حيوانا قادرا، والأصنام جمادا لا حراك بها، ولا شك أن خلق الحيوان أتم من خلق الجماد وأكمل حالة، وحكى عن ابن عباس: أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، ويضعون على رءوسها العسل، فيأتي الذباب فيقع على رءوسها من الكوى فلا تنتصر منه.

ثم قال: (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) في ادعاء الشركة بينه وبين الأصنام في استحقاق الإلهية والعبادة، فجعلها ختاما لما قدم من حكاية حالهم في نهاية الضعف والعجز، ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على ما اشتملت عليه هذه الآية، وتحتها من الأسرار واللطافة ما لو ذكرناه لسودنا أوراقا كثيرة ولم نذكر منه أطرافا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت