وإنما قدم الماشي على بطنه؛ لأنه لما صدر الآية بالإخبار على جهة التمدح بأنه خالق لكل دابة من المآء، فقدم في الذكر من يمشي على بطنه؛ لأنه أدل على باهر القدرة وعجيب الصنعة من غيره، وثنى بمن يمشي منهم على رجلين؛ لأنه أدخل في الاقتدار ممن يمشي على أربع، لأجل كثرة آلات المشى، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب في القدرة فالأعجب، ولو عكس الأمر في هذا فقدم الماشي على الأربع ثم ثنى بالماشي على رجلين؛ ثم ختمه بالماشي على بطنه لكان له وجه في الحسن، وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل، لا يقال فأراه لم يقتصر على قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ) فيكون فيه وفاء بذكر الصنفين ويكون ما عداهما مندرجا تحتهما فيدخل تحت الأول من لا رجل له من حيوان البر والبحر، ويدخل تحت الثاني من يمشي على أكثر من رجلين؛ ولا حاجة إلى ذكر من يمشي على أربع لاندراجه تحت ما قبله، أو كان قد ذكر الأربع بذكر ما فوقها، فلم خص هذه الأنواع الثلاثة، لأنا نقول: إنما ذكر من يمشي على بطنه ولا بد من ذكره لما فيه من باهر القدرة، ولأنه غير مندرج تحت غيره، وخص من يمشي على رجلين؛ لأن من جملتهم بنى آدم، فخصهم بالذكر لما لهم من مزيد الشرف على سائر الحيوانات، ثم نبه بمن يمشي على أربع على سائر الحيوانات كلها، ولم يذكر ما زاد على ذلك؛ إما لأنه قليل بالإضافة إلى ذوات الأربع، وإما لأنه يدخل بطريق الأولى لأنه إذا جاز أن يمشي على أربع فمشيه على أكثر منها أدخل في القدرة والجواز.