فهرس الكتاب
فإنما أورد إبراهيم صلوات الله عليه هذا الكلام على جهة التهكم والاستهزاء والسخرية بعقولهم، وذلك يكون من وجهين:
أحدهما أنه لم يرد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفي، ومسلك تعريض، يبلغ به إلزام الحجة لهم، والتسفيه لحلومهم، كأنه يقال يا ضعفاء العقول ويا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يجيب إن سئل، ولا ينطق إن كلم وتجعلونه شريكا لمن له الخلق والأمر، فوضع قوله: (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ(63)
موضع هذا، ونظير هذا لو أحضر عدلي وجبريّ للمناظرة، فلما تقابلا للإفحام قام العدلي فلطم الجبري لطمة شديدة، فقيل للعدلي من فعل هذا، فله أن يقول فعله الله فوضع قوله: فعله الله، موضع إلزام الحجة وقطع الخصومة للجبري [[1] ]، فهكذا قول إبراهيم عليه السلام: (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) .
وثانيهما أن يقال: إن كبير الأصنام غضب لما عبد معه غيره من هذه الأصنام الصغار، فكسرها على جهة التخيل والتمثيل، وغرض إبراهيم بذلك أن يعرض بهم في كونهم قد أشركوا في العبادة من هو دون الله، وأن من دونه مخلوق حقير من مخلوقاته، فوضع هذا الكلام لفاحش ما أتوا به وعظيم ما تلبسوا به من عبادة غير الله.
(فائدة)
هذه الآية إنما وردت كناية وتعريضا بحالهم، وتهكما واستهزاء بعقولهم، ولم يرد إسناد الفعل إلى كبيرهم فذلك مستحيل لكونه جمادا، ولكنه أراد التسفيه لحلومهم، والاستضعاف لعقولهم، كأنه قال: يا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل ولا يجيب سؤالا ولا يحير جوابا، وتجعلونه شريكا لخالق السماء والأرض في العبادة، فإن كان كما تزعمون فهو إنما فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون.