قوله تعالى: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) [سورة يونس: 61] وقال في آية أخرى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) [سورة سبأ: 3] والتفرقة بينهما هو أنه أراد في الثانية ذكر إحاطة علمه وشموله لكل المعلومات الجزئية والكلية، فلا جرم صدر بالسماوات قبل الأرض لاشتمالها على لطائف الحكمة وعجائب الصنعة ومحكم التأليف وكثرة المعلومات، كما قال تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ) [سورة الأنعام: 75] وأما الأولى فإنها كانت مسوقة من شأن أهل الأرض كما قال تعالى: (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) [سورة يونس: 61] فقدم ذكر الأرض تنبيها على ذلك لما كان له اختصاص به، وهكذا حال الآيات القرآنية فإن فيها لمن تأملها وأمعن نظره وحك قريحته، أسرارا علمية ولطائف إلهية، يدريها من أدمن فكرته فيها، وأتعب قلبه وخاطره في إحراز معانيها.
(دقيقة)
اعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في إفادة معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين، وأحدهما يكون أفضل من الآخر وكان المفضول مناسبا لمطلع الكلام، فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل، وقد جاء في التنزيل تقديم السماء على الأرض وتقديم الأرض على السماء، وكل واحد منهما تحته سر ورمز إلى لطائف غريبة، ومعان عجيبة، فعلى الناظر إعمال نظره في استنباطها، وإمعان فكره في استخراجها، فليجدّ النظار الممارسون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.