فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من المجازات البليغة والاستعارات الرشيقة، فقد تضمنت استعارات أربعا، الأولى منها القرية للأهل، والثانية استعارة الذوق في اللباس، والثالثة استعارة اللباس في الجوع، والرابعة استعارة اللباس في الخوف، فهذه الاستعارات كلها متلائمة، وفيها من التناسب ما لا خفاء به، فلما ذكر الأمن، والرغد من الرزق أردفه بما يلائمه من الجوع، والخوف، والإذاقة، لما في ذلك من البلاغة، وهذا النوع يسمى الاستعارة المرشحة، وهو أن يأتي بالاستعارة عقيب الاستعارة لها بالأولى علاقة ومناسبة.
(فائدة)
قوله تعالى (فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)
والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين، ولما استعار اللباس ههنا مبالغة في الاشتمال عليهم أخذ الوهم في تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال، رعاية لمزيد البيان في ذلك، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة، فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال، وانتقاع اللون، وعلو الصفرة، ورثاثة الهيئة، وركة الحال، وحصول القلق والفشل، يضاهي الملابس في اختلاف أحوالها وألوانها.