فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 407

فالواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) هل تكون للعطف، أو للاستئناف، قد وقع فيها تردد بين العلماء، فمنهم من قال: هي للعطف، ويقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وهو الذي عول عليه الزمخشري في تفسيره ومنهم من قال هي للاستئناف ويقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ)

ومنهم من توقف في ذلك وجوز الأمرين جميعا، فمن ذهب إلى العطف قال: إن التأويل معلوم لله وللراسخين، ومن قال بالاستئناف قال: إن تأويل القرآن لا يعلمه إلا الله وحده، فأما من توقف فهو شاك في الأمرين، فتردد فيهما جميعا، فلا مذهب له في الحقيقة؛ لأنه غير قاطع بحكم في الآية، والمختار عندنا في الآية أن الراسخين مرفوع على الابتداء (ويَقُولُونَ) خبره، وأن الواو عاطفة لجملة على جملة، فيكون التقرير: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ويدل على ما اخترناه أوجه:

أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله: (إِلَّا اللَّهُ)

لأن الراسخين جملة، واسم الله مفرد، فلا يجوز عطفه عليه، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه، وأما ثالثا فلأن وضع «أما» للتفصيل بين الأجناس المتعددة، ولم يسبق إلا أحد الجنسين، وهو قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) إلى آخر صفاتهم، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له، وهم الراسخون في العلم، فتحصل «أما» الأولى «وأما» الثانية على مقصود التقابل، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) [سورة هود: 106] ثم عقبه بقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) [سورة هود: 108] فيكون تقدير الآية: فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون: آمنا به، لا يقال: لو كان الراسخون عطفا على قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ) لوجب إثبات الفاء في قوله: (يَقُولُونَ) كما جاءت في قوله: (فَيَتَّبِعُونَ)

ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما، لأنا نقول. هذا هو الوجه اللائق، لكنا نقول: إنما ترك المجيء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها: إذا كانت (أما) مذكورة في الكلام لأنها مشعرة بالشرط، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء، فلما حذفت في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) استغناء عنها بالواو، لا جرم لم يأت بالفاء في قوله: (يَقُولُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت