فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 407

وثانيهما قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29) [سورة البقرة: 29] وما عداهما عمومات مخصوصة، فإن هذه العمومات إنما تتناول ما يتعلق بأحوال المكلفين دون من سواهم، فهذا ما أردنا ذكره من الكلام على هذه المطاعن وفيها كثرة، ومن أحاط علما بما ذكرنا، هان عليه إبطال ما يرد عليه من ذلك ثم أقول معاشر الملاحدة الطاعنين في التنزيل، الحائدين عن جادة الحق والمائلين عن سواء السبيل، ما دهاكم، وما الذي اعتراكم، أنى تؤفكون، ما لكم كيف تحكمون، زعمت الملاحدة العماة، الراكبون في الضلالة كل مهواة، أن الحق ما زينته كواذب الأوهام، وأن الباطل ما قامت عليه واضحات الأعلام، استحسانا لترجيحات الأوهام والظنون، وما لهم به من علم إن هم إلا يظنون، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بالحق فهم عن ذكرهم معرضون، تالله لقد عدلوا عن الارتواء من نمير سلساله، وحادوا عن الكروع من بارد زلاله، ونكصوا عن التفيؤ في ممدود ظلاله، فماذا عليهم لو آمنوا بالله وصدقوا بمحكم فرقانه، واستضاءوا في ظلم الحيرة بشعاع شمسه ونور برهانه، ولكن لووا رءوسهم صادين، وشمخوا بآنافهم مستكبرين، ونفخ الشيطان في مناخرهم وألقاهم في الضلالة، ومهاوى العماية، عن آخرهم، فيا لله الملاحدة، ضل سعيها، ما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، وأكذبنا أمانى الشبهات حين استهوتنا، وأنسنا أنوار المعرفة فاتبعناها، وشمنا بوارق الهداية فانتجعناها، وقلنا واثقين بالله: إنّ هدى الله هو الهدى، وما لنا أن لا نتوكّل على الله وقد هدانا سبلنا، وبلغنا من عرفان الحقيقة أملنا، يا حسرة عليهم، حين تنقطع عنهم أسباب الأهواء المحرفة، وتسلمهم الأضاليل المزخرفة (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(74) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75) [سورة القصص: 74 - 75] .

اللهم اشرح صدورنا بكتابك الكريم لمعرفة حقائقه، وثبتنا عن الزلل في مسالكه ومداحض مزالقه، ونور بصائرنا بالاطلاع على لطائفه، وأشحذ عزائم أفئدتنا للاستكثار من مزيد عوارفه، وأعنا على إدراك دقائق أسراره ومعانيه، وقونا بألطافك الخفية على إحراز مغاصات درره ولآلئه، فننعم في رياضه، ونكرع في موارده وحياضه حتى نلقاك بوجوه مسفرة، ضاحكة مستبشرة، فائزين بجوارك في دار مقامك، مبتهجين بعفوك ظافرين بإكرامك، ونعوذ بك أن نكون من التاركين لذكره، وأن نكون ممن رفضه وجعله وراء ظهره، فنرتد في الحافرة، ونرجع بصفقة خاسرة، واختم أعمالنا بالخاتمة الحسنى، ووفقنا لإحراز رضوانك الأسنى، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة حقيق جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت