التنبيه الثاني
فى قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)
لما خاطبهم بالخطاب الدال على نهاية الملاطفة لهم حيث أضاف نفسه إلى نفوسهم بقوله: (رَبَّكُمُ اللَّهُ)
لما لهم من الاختصاص به حيث كان مالكا لأمورهم ومدبرا لأحوالهم، وما له من الاختصاص بهم، حيث كان منعما بالخلق، والإيجاد، والتكوين، والرحمة، واللطف، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى، ودالة عليه، ثم عقب ذلك بقوله: (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)
وإنما خصّ السماوات والأرض، لما فيهما من باهر القدرة، وعظم الملكوت، ولهذا قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [سورة غافر: 57] وقدم السماوات لأنها من أعظم المخلوقات، ألا ترى إلى قوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ) [سورة الأعراف: 185] وقوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ) [سورة الأنعام: 75] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة، والتقديس، والتمجيد، وأنواع العبادات كلها، ولكونها محطا للرحمة، ونفوذ الأوامر والأقضية، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق، وبساطا ممهدا للتصرفات، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار، والفواكه وأنواع المعادن، وغير ذلك ثم قال: (وَما بَيْنَهُما)
يشير به إلى مهابّ الريح، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع، وتحريك السفن، وجرى السحاب لإرسال الأمطار، وطلوع الشمس والقمر، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين، والنجوم للاهتداء في ظلمات البر والبحر، ثم إيراده عقب قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ)
على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال:
وإنما كان ربا لكم، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها، فالتكوين في هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لابد من موجد وقادر، ومكون، لأن من المحال في العقول أن حصول الشيء بعد أن لم يكن لابد له من قادر، وموجد، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان، وهي العالمية ثم قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)
فيه تنبيه على الوحدانية، لأن من هذه حاله في التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذي من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره، ثم لما كانت دالة على القادرية، والعالمية، كما أشرنا إليه فهي دالة على الوجود بلا أولية، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات، لأنه لا فرق في مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين