أن كانت جرزا هامدة، يطير ترابها، فصارت مخضرة مونقة (وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) على جميع الممكنات، فلا يشذ عن قدرته شيء من كلياتها، ولا شيء من جزئياتها، (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
يشير به إلى أحوال البعث، والحشر، والنشر، وأمور القيامة، فقد اشتملت هذه الآية على المعاني الجمة، والنكت الغزيرة، ولو ذهبنا نستقصى ما تضمنته من الأسرار الإلهية والدقائق المصلحية، لسردنا أوراقا، ولم نحرز منه أطرافا، ومن عجيب سياقها وحلاوة طعمها ومذاقها، اشتمالها على المجازات المفردة، والمركبة.
فأما المجازات المركبة فهي مواضع أربعة، ففى الأرض ثلاثة في قوله: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ)
فإسناد هذه الأفعال إلى الأرض إنما كان على جهة المجاز، والفاعل لها هو الله تعالى، وفي وصف الساعة مجاز واحد في قوله تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ)
لأن الآتى بها هو الله تعالى.
وأما المجازات المفردة فأكثر سياق الآية مشتمل عليه كقوله تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ)
فالفاء للسببية وليست سببا في ثبوت البعث، وإنما هو وارد على جهة المجاز، وقوله تعالى: (خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ)
فإنه ليس على حقيقة العموم فإن المخلوق من تراب، إنما هو «آدم» لا غير، وقوله: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)
ليس على عمومه، فعيسى عليه السلام وحواء ليسا مخلوقين من نطفة، وهكذا سائر ألفاظ الآية، فإنها غير خالية عن استعمال المجازات، ومن أجل هذا رق مشربها، وساغ مستعذبها.