فهرس الكتاب
وبالنظر إلى هذا المتن الوارد في القصة تظهر عليه علة قادحة وهي:"وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها، فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا". فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا جندل وأبا بصير بالقدوم عليه وأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها"فلمن بنى أبو جندل المسجد والجميع سوف يغادر المكان؟"
ألا يقدح هذا النظر في القصة من ناحية مضمون المتن إضافة إلى ما تقدم من القدح من ناحية السند .!!
ثم إن بناء المسجد يحتاج إلى وقت ولا شك أن المسلمين القاطنين في هذا المكان كانوا تواقين للرجوع إلى أهليهم بعد هذه الغربة فما الذي يجعلهم يتأخرون ليبنوا مسجدا لن يصلوا فيه؟
وخلاصة ما تقدَّم: أنه لم يثبت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ذكر وفاة أبي بصير - واسمه: عُتْبَة بن أَسيد بن جارية - رضي الله عنه بسيف البحر، وأنه بُني عند قبره مسجد، وورد في طريق مرسلة ضعيفة أرسلها الزهري - وانفرد بها عن الزهري موسى بن عقبة: «فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا» ، وهذه اللفظة لو ثبتت لم يكن فيها حُجَّة، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور» ، وليس «عند القبور» ، فكيف وهي لم تثبت ؟!!
وكيف وقد وجد ما يخالفها من النصوص الصحيحة الصريحة كما تقدم.
والله أعلم.
بتصرف وزيادة.
د. سعد بن عبد الله الحميد