يقول ابن خلدون"رحمه الله"في معرض كلامه عن المهدي واعتقاد الصوفية فيه: (( ثم حدث أيضًا عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس.
وظهر في كثير منهم القول على الإطلاق بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة وحلول الإله فيهم.
وظهر منهم أيضًا القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء.
وأشربوا أقوال الشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم، حتى لقد جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة، أن عليًا رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة. واتصل ذلك عنهم بالجنيد من شيوخهم. ولا يعلم هذا عن علي من وجه صحيح.
ولم تكن هذه الطريقة خاصة بعلي كرم الله وجهه، بل الصحابة كلهم أسوة في طرق الهدى، وفي تخصيص هذا بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية، يفهم منها ومن غيرها مما تقدم دخولهم في التشيع، وانخراطهم في سلكه.
وظهر منهم أيضًا القول بالقطب وامتلأت كتب الإسماعيلية من الرافضة، وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر.
وكان بعضهم يمليه على بعض ويلقنه بعضهم من بعض، وكأنه مبني على أصول واهية من الفريقين.
وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات، وهو من نوع الكلام في الملاحم، ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا.
وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي، ابن عربي الحاتمي في كتاب عنقاء مغرب ، وابن قسي في كتاب خلع النعلين ، وعبد الحق بن سبعين ، وابن أبي واطيل تلميذه في شرحه كتاب خلع النعلين.
وأكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال )) .
مقدمة ابن خلدون (صفحة: 178)