لقد تشبث هؤلاء المتصوفة لتبرير شركهم، وتجويز استغاثتهم بالأموات عند نزول النوازل وإلمام الملمات، لجلب الخيرات ودفع المضرات بشبهة أخرى، وهي: أن تصرف الأولياء في الكون وشفاءهم للأمراض، وكونهم يدمرون الأعداء وينصرون الأولياء، ويغيثون المستغِيثين إنما نقصد بذلك المجاز العقلي!
فالمتصرف في الكون هو الله في الحقيقة، والشافي للأمراض هو الله في الحقيقة، والناصر والمغيث هو الله في الحقيقة، وهو النافع الضار في الحقيقة، وهو الفاعل في الحقيقة، ولكن نسبة ذلك كله إلى الولي نسبة المجاز العقلي، لا على وجه الحقيقة.
يُجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن وجود المجاز في اللغة ثم وجود المجاز العقلي مسألة مختلَف فيها عند البلاغيين فضلًا عن عدم وجود من قال به من السلف قبل الجهمية والمعتزلة.
لو فتح هذا الباب من التأويل لما وجد الشرك ، ولما حكم بالكفر على أحد أبدًا، وإن سبَّ الله تعالى، وسبّ الأنبياء عليهم السلام، ولو أنكر البعث والحشر والنشر، وأباح الفواحش، وادّعى الألوهية، مثلًا يكون معنى قول القائل: ( الرسول خالق السماوات والأرض ) : رب الرسول - بحذف المضاف -، ومعنى قول فرعون فيما حكاه الله عنه بقوله: [ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ] : ( أنا أقول لكم: ربكم الأعلى ) - بتقدير القول -، وكذلك يكون معنى من قصد الأصنام وتضرع إليها: أنه يدعو الله الذي هو مالك الأصنام، ويتضرع إليه تعالى - بحذف المضاف -، فما ذكره أحد من المسلمين بهذه التأويلات الفاسدة أبدًا.
إن هؤلاء المستغِيثين بغير الله وأصحاب اعتقاد التصرف في الكون لغير الله أكثرهم عوام جُهال لا يدرون المجاز العقلي الذي اصطلح عليه المجازيون والبلاغيون، ولا يعرفون هذه المسألة. ومعلوم أن إرادة الشيء فرع عن تصوره.
إنهم يعتقدون في أهل القبور التصرف والإعطاء ولا يفهمون إلاَّ أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطابًا وأغواثًا.