فهرس الكتاب
أ.د. جعفر شيخ إدريس
عبادة الله وحده لا شريك له هي لب لباب رسالة الإسلام من لدن نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فلا نجاة لأحد لا يحقق هذا التوحيد فيأتي اللهَ بقلب سليم من أمراض الشرك. (إن َّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفرُ ما دُونَ ذلك لمن يشاء) . هذه حقيقة لا شك فيها. والحقيقة الثانية -وهي حقيقة محزنة- هي أن جماهير كبيرة من المنتسبين إلى الإسلام لم تعد تحقق هذا التوحيد، فلا بل من دعوتهم إلى هذا الأصل الأصيل قبل دعوتهم إلى فروع العبادات ومكارم الأخلاق واجتناب المحرمات. لكن بعض إخواننا -عفا الله عنهم- غلو في تعظيم التوحيد غلوًا يكاد يجعلهم يهونون من شأن شرائع الإسلام الأخرى، ويكاد يغري المستمع إليهم بالأمن والنجاة ما دام قد حقق كلمة التوحيد مهما ارتكب بعد ذلك من ذنوب. وهذا خطأ عظيم. نعم إن أمور الحلال والحرام العملية أقل شأنًا من التوحيد، لكنها هي في نفسها عظيمة، وهي كلها مرتبطة بالعقيدة أوثق رباط.
فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والانغماس في شهوات الخمر والميسر والزنا وأكل الربا، واتباع النفس هواها في ظلم العباد وأكل أموال الناس بالباطل وبخسهم أشياءهم، كل هذا ذو تأثير عظيم على التوحيد مهما كان في بداية الأمر قويًا وخالصًا.
وإذا كان الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكيف يأمن من يظل إيمانه في نقص مستمر؟ والذنوب من شأنها أن تحدث في النفس غفلة يقسو بها القلب قسوة قد تزيل عنه حقيقة الإيمان. (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتو الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبُهم وكثير منهم فاسقون) [الحديد: 16] والمعروف أن الشهوات تفتح باب الشبهات فينتقل صاحبها من ارتكاب المحرمات إلى حبها ثم الضيق بالتشريع الذي حرمها، والميل إلى شبهات الذين يكرهون تحريمها من شياطين الإنس والجن: