كم ذا أره منعما ولا يراني لائذا (7) .
يقول محقق كتاب الفصوص أبو العلا عفيفي، وهو تلميذ المستشرق الإنجليزي نيكلسون:
"يغلب على ظني أنه يعتمد تعقيد البسيط وإخفاء الظاهر لأغراض في نفسه، فعباراته تحتمل في أغلب الأحيان معنيين على الأقل:"
-أحدهما ظاهر، وهو ما يشير به ظاهر الشرع.
-والثاني باطن، وهو ما يشير به إلى مذهبه.
ولو أن من يعمق النظر في معانيه ويدرك مراميه، لا يسعه إلا القول بأن الناحية الثانية هي الهدف الذي يرمي إليه، أما ما يذكره مما له صلة بظاهر الشرع، فإنما يقدمه إرضاء لأهل الظاهر من الفقهاء، الذين يخشى أن يتهموه بالخروج والمروق" (8) ."
وكل من تعمق في مذهبه، وقرأ له زمنا، وكان منصفا، مبتغيا الحق، لم يجد عذرا صحيحا يحسن به مذهبه، إلا أن يكون على عقيدته، فيلبس كتلبيسه.
غير أنه قد يرد ذلك إلى مرض غلب عليه، اختل به مزاجه، فصدر منه ما صدر، فقد نقل ملا علي القارئ عن الجزري قوله:"وأحسن ما عندي في أمر هذا الرجل أنه لما ارتاض غلبت عليه السوداء، فقال ما قال، فلهذا اختلف كلامه اختلافا كثيرا، وتناقض تناقضا ظاهرا، فيقول اليوم شيئا، وغدا بخلافه" (9) .
إذا كان الأمر كذلك، فالاعتذار عنه بادعاء أن كلامه دقيق، لا يفهمه كل أحد: غير مقبول.
وكذلك القول بأنه مدسوس عليه، دع عنك القول ببطلان نسبة كتبه إليه: الفصوص، والفتوحات. مردود غير مقبول للأسباب التالية:
1-أن أصل فكرته: التجلي الإلهي في صور الكائنات. وهي نفس فكرة الحلول والاتحاد والوحدة، تملؤ كتبه، فإنك تجدها في كل صفحة، وفصل، وباب. وفي مثل هذا الحال يتعذر قبول دعوى أنها مدسوسة، فالمدسوس لا يغلب.
2-أن المتصوفة المتقدمين قبلوا بهذه الكتب، وشرحوها، كالقاشاني، والنابلسي.