قال ابنُ الجوزي: وأخذوا من حولِ الصخرةِ اثنين وأربعين قنديلًا من فضةٍ ، زنةُ كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم ، وأخذوا تنورًا من فضة زنته أربعون رطلًا بالشامي ، وثلاثة وعشرين قنديلًا من ذهب ، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق ، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان ، منهم القاضي أبو سعد الهروي ، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا ، وقد نظم أبو سعد الهروي كلامًا قرئ في الديوان وعلى المنابر ، فارتفع بكاء الناس ، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد ، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئًا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي شعرًا:
مزجنا دمانا بالدموع السواجم * * * فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يريقه * * * إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيهًا بني الإسلام إن وراءكم * * * وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
وكيف تنام العين ملء جفونها * * * على هفوات أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم * * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم * * * تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الوُكَيِّل فِي"هَذِهِ هِي الصُّوفِيَّةُ" ( ص 170 - 171 ) تَعْلِيْقًا:"لقد عاش الغزاليُّ بعد ذلك ثلاثةَ عشر عامًا ، إذ مات سنة 505 هـ فما ذرف دمعةً واحدةً ، ولا استنهض همةَ مسلمٍ ، ليذوذ عن الكعبةِ الأولى ، بينما سواهُ يقولُ:"
أحل الكفرُ بالإسلامِ ضيمًا * * * يطولُ عليه للدينِ النحيبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديرًا * * * على محرابهِ نصب الصليبُ
دمُ الخنزيرِ فيه لهم خلوف * * * وتحريقُ المصاحفِ فيه طيب
أهزَّ هذا الصريخُ الموجعُ زعامة الغزالي ؟