فقول السائل:"كنا نزور المشايخ بنية صالحة"الصواب كنّا نزورهم بغفلة فاضحة، أعيننا مغفلة وعقولنا معطّلة. فالشيوخ كانوا عاطلين عن كلّ ما يؤهّلهم للزيارة ! فلا علم ولا زهد ولا صلاح ولكن نسب مرتاب في صحّته فكنّا - كما قيل - نعبدهم ونرزقهم. والزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من ذوي العلم والفهم والصلاح فيكتسب منه الزائر العلم والدين والصلاح ويأخذ منه المنقول والمعقول ويرجع بفوائده جمّة، كما كان عالم المدينة بها وأبو حنيفة في العراق، هذه الزيارة هي المأذون فيها وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فأمّا إذا كان الشيخ كالصنم فماذا يستفيد منه الزائر ؟ أعلما أم زهدا أم صلاحا أم نصيحة وعقلا ؟ إنّ المشايخ كانوا خلوا من كلّ ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه. والذين كان لا يمكن الاستفادة من علمهم لم يَرِدُوا في سؤالكم ولا يمكن أن يخطروا ببالكم مثل ابن باديس والتبسي رحمهما الله، فقد كان يزورهم الطلاب ويرجعون من عندهم بعلم وفير ونصائح جمّة أفادت الوطن والأمّة.
وإنّما حكمت بأنّك لا تريد هذا الصنف المقيّد من العلماء لأنّك ذكرت مع زيارتهم، البركة والتمسّح بالقبور والزردة والوعدة ونسيت الهردة والوخدة والفجور والخمور، فقد أنقذوا الأمة من هذه الشرور وخلّصوها من قبضة مشايخ الطرق، فكان ذلك مقدمة لتحريرها ورفع رايتها، ولم يكن لغالب مشايخ الطرق إلا قضية النسب الشريف وهو مظنون، وإن صحّ ففي الحديث:"من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه" (رواه مسلم) ، وأمّ الشرفاء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا" (رواه البخاري ومسلم) فإذا أردت أخذ البركة من المشايخ فاقصدهم للعلم والفضل والصلاح والزهد واقتد بهم واعمل عملهم تنتفع وتحصل لك أنواع من البركة الحقيقية لا المتخيّلة.