فهرس الكتاب
صحيح أن الناس لا يعبدون صنمًا منحوتًا كما كان يفعل المشركون يوم ذاك ، ولكن كيف نسمي التمسح بالأضرحة التماسًا للبركة ، والدعاء عنده رجاء الاستجابة ، وطلب المعونة من صاحب الضريح ، والاستغاثة به من الكرب ، والإيمان بأنه ذو حظوة عند الله ، يستطيع بها أن يغير مجرى الأقدار ؟ ! أو الإيمان بأن الله قد عهد إلى الأقطاب والأبدال أن يتصرفوا في ملك الله ، فإذا استعطفهم مريدهم وتضرعوا إليهم صرّفوا الأمور لصالحهم ، وحموهم من الأخطار.
ألم يكن مشركو الجزيرة يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا الله زلفى} الزمر:3.؟ ! أي: لا نعبدهم لذواتهم ولكن لما لهم من حظوة عند الله ؟!
أما الشيخ والمريد فبدعة أخرى من بدع الصوفية الخطيرة.
ولا يعنينا هنا أن نذكر كيف بدأت البدعة ، ولا أن العامة قد ارتموا في أحضان الصوفية لقلة العلماء المربين الذين يعلمون الناس دينهم على المنهج القرآني الواضح السهل البليغ المؤثر ، وعلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقرب الحقائق للناس حتى يتشربوها في يسر ، وترسخ في نفوسهم فلا يمحى أثرها ، إنما وجد العامة بدلًا من ذلك من يتكلم عن العقيدة كأنها معاظلات ذهنية تجريدية - وخاصة فيما يتعلق بالذات الإلهية والأسماء والصفات - تجهد الذهن ولا تحرك القلب ، ووجدوا المتخصصين في الفقه يتحدثون فيه لا على أنه"دين"نزل لينظم حياة البشر على الأرض ، ويربط قلوبهم بالله وهم يأتمرون بأمره وينفذون تعاليمه ، ولكن كأنه قضايا جافة مبتوتة الصلة بالوجدان الحي ، لذلك هرب العامة من معاظلات علم الكلام في العقيدة ، ومن جفاف الدراسات الفقيهة ، إلى الملجأ الذي رأوه يشبع وجدانهم الروحي الظامئ ، وجدوا راحتهم النفسية التي افتقدوها هنا وهناك.
ذلك يفسر ولا يبرر ، فلا شيء يبر الانحراف عن طريق الله القويم: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} الأنعام: 153.