وكان أحمد بن تيمية الحراني تمكن من اجتلاب ثقة شيوخ مصره إليه، وثنائهم عليه، بحسن سمته، وطلاقة لسانه، وسيلان قلمه، ثم بدأ يذيع آراءً مستبشعة في المعتقد وفي الفروع، عامًا بعد عام، حتى عيل صبر العلماء الذين كانوا أطروه بأول الأمر، فتخلوا عنه واحدًا إثر واحد، بعد أن ذاقوا مرارة تسرعهم في إطرائه قبل أن يختبروه اختبارًا كافيًا.
وكان في جملة المتسرعين في إطرائه ـ اغترارًا منهم بمظهره في بادىء الأمر ـ الجلال القزويني صاحب (الإيضاح) و (التلخيص) ، والكمال الزملكاني، وقاضي القضاة الحريري، وقاضي القضاة القونوي، وأبو الحجاج المزي، والذهبي.
ولما استفحل أمر فِتَنِ ابن تيمية على تعاقب السنين، وأصبح علماء السنة إلبًا واحدًا ضده، ولم يبق معه سوى شيعته؛ من الحشوية كان الذهبي يسعى في تهدئة الفتنة بأن يعتب تارة أضداده على تشددهم في ابن تيمية، ويدعوهم إلى تخفيف اللهجة نحوه، مراعاة لسعة علمه، كما فعل مع التقي السبكي برسالة أرسلها إليه، على ما أشار إليها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، حيث ذكر صدر جواب السبكي عنها (1) .
وبأن يرسل مرة أخرى هذه الرسالة إلى ابن تيمية نفسه، ينصحه فيها كما ترى، فها هو الأصل في ورقتين بقطع الثمن في صفحتين وثلث صفحة، بخط التقي بن قاضي شهبة، وحيث إن الأصل صعب القراءة لكثير من القراء ارتأيت أن أكتب صورة الأصل، بعد الورقتين المذكورتين.والله هو الهادي.
في 7 شوال سنة 1354 هـ».
قلت: ولا بدّ من تعليق مختصر على كلام الكوثري عدو نفسه: فأنت ترى أنه قد فرح بوقوعه على هذه «النصيحة» حين عبَّر عن ذلك بأنه ظفر بها، فبادر إلى شرائها بثمن يتناسب مع قيمة هذه الوثيقة الثمينة، وهي فرحة يشاركه فيها (الكوثريون) إلى يومنا هذا وقد آن أن تردّ تَرْحَةً عليهم.