وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لايذكره ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم وهو فقير لامال له، وملبوسه كآحاد الفقهاء: فرجية ودَلق وعمامة تكوّن قيمة ثلاثين درهمًا، ومداس ضعيف الثمن، وشَعْره مقصوص.
وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، ويصلّي بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها، وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، الكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحن لأحد قط، وإنما يسلّم ويصافح ويبتسم، وقد يعظّم جليسه مرة ويهينه في المحاورة مرات» (1) .
قلت:يَفهم مما سبق أن الذهبي ـ رحمة الله عليه ـ كان يستعظم من مزاج هذا الطودالعلمي والإمام الربّاني أن يظهر كل هذه الحدة والثوران،وصك المخالف المحاور له بحادّ القول وإبَرِه، ويبدو أنه رأى من تلك الحوارات وشهد من تلك المناظرات ما أداه لهذا الرأي، ولعلّه نصحه في ذلك في جملة من نصحه (1) .
وقد قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) ـ وكان تأليفه في حياة ابن تيميةـ عند ذكره قيام متعصّبة الأشاعرة على أبي العباس بشأن (الحموية) : «.. وكان قد لحقهم حسد للشيخ وتألّموا منه بسبب ماهو المعهود من تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته،وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير للنفوس،ولوسلم من ذلكلكان أنفع للمخالفين لا سيما عبارته في هذه الفُتيا الحموية،وكان غضبه فيها للهولرسوله باجتهاده،فانتفع بها أناس وانفصم بها آخرون ولم يحملوها..» (1) .