لقد دافع الذهبي في كل كتبه، المؤكّد ثبوتها عنه، عن شيخ الإسلام، وعلمنا من نقل ابن رجب الحنبلي، رحمه الله، أنه أرسل إلى أحد مناوئيه، وهو تقي الدين السبكي (ت756هـ) رسالة يعاتبه فيها على كلامه الذي صدر عنه في أبي العباس، وكان كلام السبكي ممّا يُذكّر بقول الشاعر:
وشمائل شهد العدو بفضلهاوالفضل ما شهدت به الأعداء (1) ولو عُرف عن الذهبي أنه كان يصرّح في مجالسه الخاصة،أو العامة،بغير مارأيت من كلامه السابق عنه لتلقّفته الشافعية سريعًا،ولبلغ ذلك عبدالوهاب السبكي فكان ذلك سببًا في تخفيف سلاطة لسانه نحو شيخه الذهبي.
وإني لأعتب على المحقّق الفاضل الدكتور بشار عواد معروف ـ بارك الله في عمره ـ إذ يرى أن السبكي قد أسفَّ إسفافًا كثيرًا، وأقذع في شتم الذهبي لما ذكره في (تاريخ الإسلام) في ترجمة أبي الحسن الأشعري (ت324هـ) ، ولا يرى في «النصيحة» التي نُسِبَتْ إلى الذهبي، وصدَّقها هو، إلا نصحًا فيه لومٌ ونقدٌ وتقريعٌ لا عبرة بقول من أكبر الذهبي عن كتبها فهلاّ أجرى على الذهبي قسطاسه (1) .!!
نقل ابن ناصر الدين الدمشقي، هذه المنظومة عن أبي عبد الله الذهبي يرثي بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
يا موت خذ من أردت أو فدعمحوت رسم العلوم والورعِأخذت شيخ الإسلام وانفصمتعرى التقى واشتفى أولوا البدعِغيّبت بحرًا مفسرًا جبلًاحبرًا تقيًا مجانب الشيعِفإن يُحدّث فمُسلِم ثقةوإن يناظر فصاحب «اللمعِ» وإن يخض نحو سيبويه يفهبكل معنى من الفن مخترعِوصار عالي الإسناد حافظهكشعبة أو سعيد الضبعيوالفقه فيه فكان مجتهدًاوذا جهاد عارٍ من الجزعِوجوده الحاتمي مشتهروزهده «القادري» في الطمعأسكنه الله في الجنان ولازال عليًا في أجمل الخلعمع مالك الإمام وأحمدوالنعمان والشافعي والخلعيمضى ابن تيمية وموعدهمع خصمه يوم نفخة الفزعِ (1)
محمد بن السَّرَّاج الدمشقي
(المتهم بإرسال النصيحة)