فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 320

وهو مسلك القائلين بأنه ليس هناك تعارض بين الآية والحديث، فأما الآية فهي في حالة معينة بمكان أو بوقت من الأوقات أو بفئة من الناس وليست عامة في جميع الأمور أو أنه عليه الصلاة والسلام خشي على من ليس هو فيهم وقوع العذاب، وهذا ما ذهب إليه ابن حجر فقال: والأولى في الجواب أن يقال إن في آية الأنفال احتمال التخصيص بالمذكورين أو بوقت دون وقت، أو مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال خشي على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب، أما المؤمن فشفقة عليه لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو بعث رحمة للعالمين.

وأدلة هذا المسلك ما يلي:

1 -إن سورة الأنفال وسياق الآية في الحديث عن المشركين في غزوة بدر، فهذا يدل على تخصيصها بهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان فيهم بمكة لم يعذبوا، فلما خرج منهم عذبوا يوم بدر بالقتل.

2 -ما جاء في الحديث من دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام كان هذا هو دأبه إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه الخوف والكراهية.

ثانيًا: مسلك النسخ:

قالوا: إن الآية ناسخة للحديث، وأن ما جاء في الحديث من خوفه عليه الصلاة والسلام كان قبل نزول الآية.

وهذا ما ذهب إليه ابن العربي فقال: والجواب أن الآية قبل الحديث لأن الآية كرامة للنبي عليه الصلاة والسلام ودرجة رفيعة لا تحط بعد أن رفعت، وخطة لا تنقض بعد أن عقدت، وأن الله لم يعذب أسلافهم لأن النبي عليه السلام في أصلابهم ولم يعذبهم لحرمة وجوده فيهم، ولم يعذبهم وهم يستغفرون بعد ذهاب نبيهم.

الدّراسة والتّرجيح

مما تقدّم يظهر قوة القول بالجمع على القول بالنسخ وذلك لما يلي:

1 -إن دعوى النسخ لا تصح إلا بمعرفة زمن الناسخ والمنسوخ وتقدم أحدهما على الآخر، كذلك أن النسخ لا يقع في الأخبار.

2 -إن القول بالجمع مُقدّم على القول بالنسخ، لأن فيه إعمالًا للدليلين فهو أولى من إعمال أحدهما دون الآخر.

لكن يشكل على القول بالجمع أن دعوى تخصيص التأمين من العذاب بوقت دون وقت أو بمكان دون مكان أو بفئة من الناس دون غيرهم، أن منطوق الآية يدل على تأمين الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العذاب في أي مكان وأي وقت، وليس ذلك خاص بزمان أو مكان إنما التخصيص لغيره عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت