حكم أخذ الأجرة على عمل القربات في الدعوة والتعليم
الآية:
قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) } .
وقوله تعالى على لسان هود عليه السلام: {يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) } .
الأحاديث:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .
وعن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قرأ على رجل لدغ الفاتحة، فشفي فأخذ على ذلك أجرًا، ولم ينكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل قال: (لقد أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم) .
وجه موهم التعارض بين الآيات والأحاديث:
يفهم من ظاهر الآيات أن أخذ الأجرة على عمل القربات كالدعوة إلى الله أو تعليم الناس أمور دينهم لا يجوز، ولكن في الحديث ما يدل على جواز أخذ الأجرة على القرآن، فكيف يمكن دفع إيهام التعارض بينهما؟
مسالك العلماء تجاه موهم التعارض
لا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم القرآن وتدريس علم نافع من حديث وفقه ونحوها.
وإنما كان الخلاف في أخذ الأجرة من غير بيت المال كما في ظاهر الآيات والأحاديث.
وبناءًا على ذلك سلك العلماء مسلك الجمع في دفع موهم التعارض ولهم في ذلك قولان:
القول الأول:
جمعوا بين الآيات والأحاديث وقالوا بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية ونحوها كما في ظاهر الأحاديث، وأجابوا عن موهم التعارض في الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الثاني على عدم الجواز بأنها محمولة على الاحتساب والتبرع، فإذا كان يريد بعمله الاحتساب والتبرع كره له تضيع أجره وإبطال حسناته بأخذ الأجرة عليه والعوض، وبذلك يندفع موهم التعارض.
وهذا هو قول مالك والشافعي وإحدى الروايات عن أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -حديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .
2 -حديث: (لقد أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم) .
وجه دلالة الحديثين:
فهذان الحديثان فيهما الدلالة على جواز أخذ الأجرة على القرآن، وإن خص ذلك في الرقية فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذان عوضان سببهما القرآن فلا خلاف بينهما.