قال ابن تيمية: فكيف وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة، كما استفاضت به الأحاديث الصحيحة، بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير، فإنه قدم حين نقضوا العهد ونزل بمر الظهران، ولم يأت أحد منهم صالحه ولا أرسل إليهم أحدًا يصالحهم، بل خرج أبو سفيان يتجسس الأخبار فأخذه العباس وقدم به كالأسير، وغايته أن يكون العباس أمَّنَه فصار مستأمنًا، ثم أسلم فصار من المسلمين، فكيف يتصور أن يعقد عقد صلح للكفار بعد إسلامه بغير إذن منهم؟
إلى أن قال: في الجملة من تدبر الآثار المنقولة علم بالاضطرار أن مكة فتحت عنوة.
وبذلك يتبين أن الراجح في دفع موهم التعارض بين الآية والحديث خصوصية مكة حرسها الله، فليس يشبهها شيء من البلاد، فهي دار النسك، وحرم للعاكف والباد، فتركها النبي - صلى الله عليه وسلم - في يد أهلها ولم يقسمها، والله تعالى أعلم.
تخصيص القوة بالرمي
الآية:
قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ... (60) } .
الحديث:
عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو على المنبر، يقول: ( {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) .
وجه موهم التعارض بين الآية والحديث:
أن الله عز وجل أمر المؤمنين في الآية بإعداد القوة لقتال الكافرين، ولم يخصص نوع القوة التي أمر بإعدادها، بل ظاهر الآية العموم في كل ما يتقوى به المؤمنون في القتال.
أما في الحديث فقد خصّ النبي - صلى الله عليه وسلم - القوة بالرمي دون غيرها من الأمور التي يتقوى بها المقاتل، فظاهر الآية والحديث التعارض من جهة العموم والخصوص، فكيف يمكن دفع موهم التعارض بينهما؟
مسالك العلماء تجاه موهم التعارض
تعددت أقوال العلماء - رحمهم الله تعالى - تجاه هذه المسألة من حيث ترجيح عموم الآية أو تخصيص الحديث إلى مسلكين:
أولًا: مسلك الجمع: