فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 320

اليد العليا واليد السفلى

الآية:

قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } .

الحديث:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة) .

وجه موهم التعارض بين الآية والحديث:

جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث يد المعطي هي العليا لأنه المنفق ويد الآخذ هي السفلى، بينما في الآية يظهر أن يد المنفق المعطي للجزية هي السفلى ويد الآخذ هي العليا فكيف يمكن دفع ما بين الحديث والآية من موهم تعارض؟

مسالك العلماء تجاه موهم التعارض

أجاب ابن العربي - رحمه الله - عن هذه المسألة وجمع بين الآية والحديث، وتبعه في ذلك القرطبي.

قال ابن العربي: فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية صاغرة سفلى، ويد الآخذ عليا، ذلك أنه الرافع الخافض، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء. ثم قال لبيان العلة: للفرق بين ما يُؤدَّى عقوبة وهي الجزية، وبين ما يؤدّى طهرة وقربة وهي الصدقة.

فالمنفق في الجزية يده سفلى وصغرى لأنه يدفعها قهرا وعقوبة، أما المنفق للصدقة يده عليا لأنه يدفعها مساعدة لإخوانه المسلمين وقربة لله عز وجل وطهرةً لماله ونفسه.

إذن فقياس الآية على الحديث قياس مع الفارق، فالحديث خاص بالصدقة التي تعطى تقرّبًا إلى الله عز وجل وطهرةً للعبد بخلاف الجزية التي تؤخذ من الكافر عقوبة وإذلالًا له.

فالكافر يدفع الجزية ويده سفلى لأن حاله ذليلة وهو يدفعها، والمؤمن نفسه عزيزة ويده عليا وهو يأخذ الجزية لانتصاره على الكافر والتمكن منه ومن ماله، وانتفى بذلك موهم التعارض بين الآية والحديث، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت