إذن يتضح مما سبق أنه لا يراد من انتهاء العهد في الآية عهود جميع المعاهدين، بل يستثنى منها ما جاء الدليل باستثنائه، ومن ذلك إخراج المعاهدين الذين لم ينقضوا عهدهم وكانت مدة عهدهم أكثر من أربعة أشهر فهؤلاء عهدهم ينتهي بانتهاء مدة أجلهم، وبهذا الجواب يجمع بين الآية والحديث ويدفع موهم التعارض.
وإلا إن قلنا إن الآية عامة في جميع المعاهدين كان هناك تعارض بين الآية والحديث، ونقض للعهد والأمانة التي أمر الله عز وجل بالوفاء بها وعدم نقضها في كثير من المواضع، والله تعالى أعلم.
يقول ابن جرير بعد ذكر جملة من الأخبار التي تدل على صحة هذا القول: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلًا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وفَّى له عهده إلى مدته عن أمر الله إياه بذلك، وعلى ذلك دلّ ظاهر التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
سبب نزول قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ... (19) .... }
الآية:
قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) } .
الحديث:
عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) } .