تبرّؤ إبراهيم عليه السّلام من أبيه
الآية:
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) } .
الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار) .
وجه موهم التعارض بين الآية والحديث:
في الآية أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه بعدما تبين له أنه مشرك وعدو لله، ولكن جاء في الحديث ما يخالف ذلك، حيث أن إبراهيم يوم القيامة يسأل الله تعالى أن لا يخزيه يوم القيامة لما رأى من حال أبيه، ولا يخفى أن هذا يخالف التبرؤ الذي في الآية، فكيف يمكن دفع موهم التعارض بين تبرؤه وبين المسألة له يوم القيامة؟
مسالك العلماء تجاه موهم التعارض
قبل البداية في ذكر مسالك العلماء وأقوالهم في دفع موهم التعارض بين الآية والحديث لابد أن نبيّن أن علماء التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم عليه السلام من أبيه، هل كان في الدنيا عندما مات مشركًا أم أنه كان يوم القيامة كما جاء في الحديث؟
وبناءًا على ذلك يمكن دفع موهم التعارض.
القول الأول: أن تبرؤ إبراهيم عليه السلام من أبيه يوم القيامة، فالآية جاءت مبهمة ولم تحدد الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه، ثم جاء الحديث فحدد وقت التبرؤ بيوم القيامة، وبذلك لا يكون هناك إيهام تعارض بين الآية والحديث، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير، وعبيد بن عمير.
القول الثاني: أن تبرؤ إبراهيم عليه السلام من أبيه عندما تبين له أنه مات مشركًا وأصبح عدوًا لله.
وعلى هذا القول ينشأ إيهام التعارض بين الآية والحديث.
وإليه ذهب ابن عباس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وقتادة، والضحاك، واختاره ابن جرير والبغوي وابن كثير.
قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله، وهو خبره عن إبراهيم: أنه لَمّا تبين له أن أباه عدو تبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدو وهو به مشرك، وهو حال موته على شركه.
فيتبيّن مما تقدم أن إيهام التعارض بين الآية والحديث على القول الثاني وهو ما ذهب إليه أكثر المفسرين.
وقد أجاب عن موهم التعارض ابن حجر رحمه الله تعالى، وسلك مسلك الجمع بين الآية والحديث فقال:
ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لَمّا مات مشركًا فترك الاستغفار له، لكن لَمّا رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرقة فسأل فيه، فلما رآه مسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرؤًا أبديًا.
ومن خلال البحث والاطلاع على كلام العلماء لم أجد من تناول دفع إيهام هذا التعارض بين الآية والحديث إلا ما ذهب إليه ابن حجر - رحمة الله تعالى عليه - حيث جمع وألف ووفق بين الآية والحديث ودفع موهم التعارض، والله تعالى أعلم.