القول الثاني:
ما ذهب إليه القرطبي في المفهم فقد جعل معنى (خلق) في الحديث بمعنى قَدَّر، ويكون معنى الحديث: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات، وبذلك يزول إشكال خلق الرحمة وهي من صفات الله تعالى.
الدراسة والترجيح
الراجح فيما يظهر والله تعالى أعلم - هو القول الأول والتفريق بين الرحمة إذا كانت إضافة صفة إلى موصوف وإذا كانت إضافة مفعول إلى فاعله أو مخلوق إلى خالقه، وبذلك يزول موهم التعارض بين الآية والحديث لاختلاف الموضوع.
وأما القول الثاني فيشكل عليه أن الحديث جاء بلفظ (جعل الله الرحمة في مائة جزء) وليس من معاني (جعل) التقدير، وبذلك يبقى الإشكال قائمًا ويترجح القول الأول، والله تعالى أعلم.
نزول القرآن على أو مع الرّسول - صلى الله عليه وسلم -؟
الآية:
قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } .
الحديث:
عن أنس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (أنزلت عليّ آنفًا سورة) ، فقرأ: {بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } الحديث).
وجه موهم التّعارض بين الآية والحديث:
يوهم ظاهر الآية والحديث التعارض، فالآية تنص على اتفاق نزول القرآن الكريم مع نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حين واحد، وهذا بلا شك خلاف الواقع وخلاف ما دل عليه الحديث وغيره من الأخبار، فكيف يمكن الجمع بين ظاهر الآية والحديث؟
مسلك العلماء تجاه موهم التعارض
سلك العلماء تجاه هذه المسألة مسلك الجمع، ولكن تعدّدت الأوجه التي ذكروها للجمع بين الآية والحديث وذلك على حسب اختلافهم في متعلق (معه) في الآية، وذكروا في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: