الحالة الثانية:
إضافة مفعول إلى فاعله، ومخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، وإنما هي أثر من آثار رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية، وعلى هذه الحالة يحمل معنى الرحمة في الأحاديث، ويندفع موهم التعارض، ومثل هذه الحالة قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} وقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) } .
وفي الحديث القدسي أنه تعالى قال للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) .
قال ابن القيم: اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله، والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: (احتجت الجنة والنار) فذكر الحديث وفيه: (فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) ، فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق إلى الخالق تعالى، وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: (خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة) .
وأما قوله تعالى حكاية عن الملائكة: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وسعتها عموم تعلقها بكل شيء، كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم.