مجيء هود عليه السلام بالآيات والمعجزات
الآية:
قوله تعالى: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } .
الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) .
وجه موهم التعارض بين الآية والحديث:
تدل الآية على أن هودًا عليه السلام لم يأت بآية ومعجزة إلى قومه على صدق رسالته، بينما في الحديث جاء النص على أنه ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات والمعجزات ما مثله آمن عليه البشر، فكيف يجمع بين ظاهر الآية وما جاء في الحديث؟
مسالك العلماء تجاه موهم التعارض
سلك العلماء - رحمهم الله تعالى - مسلك الجمع في دفع موهم التعارض بين الآية والحديث، ولهم في ذلك قولان:
القول الأول:
إن هودًا عليه السلام مثل غيره من الأنبياء قد آتاه الله تعالى من الآيات والمعجزات، ولكن ما جاء في هذه الآية من إيهام تعارض مع ظاهر الحديث يمكن أن يجاب عليه بأن يقال: أن الكلام في الآية على لسان الكفار الجاحدين لآيات الله والمكذبين بها فلا يقبل قولهم في ذلك ولا يحتج به.
واختار هذا القول زكريا الأنصاري، وبه فسر الزمخشري الآية.
القول الثاني:
أن من كان من الرسل صاحب شريعة فهو يحتاج إلى معجزة لتنقاد أمته إلى شريعته، فإن في كل شريعة أحكامًا غير معقولة فيحتاج الرسول إلى معجزة تشهد بصدقه، وأما هود عليه السلام فلم يكن له شريعة، وإنما كان يأمر بالعقل، فلا يحتاج إلى معجزة، لأن الناس ينقادون إلى ما يأمرهم به لموافقته للعقل.
اختار هذا القول الرازي في أنموذج الجليل.
الدراسة والترجيح
مما تقدم من الأقوال في الجمع بين الآية والحديث يظهر أن الراجح هو القول الأول ويدل عليه الآيات التي تنص على مجيء هود عليه السلام بالآيات كقوله تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} فهذه فيها الدلالة الواضحة على مجيء هود عليه السلام بالآيات.
ولكن يبقى الجواب عن النفي الذي جاء في هذه الآية على لسان قومه عليه السلام؟
فيقال: هذا جحود على لسان قوم هود عليه السلام وليس من كلام الله سبحانه، كما دل عليه قوله: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} وعلى هذا يزول موهم التعارض.
وهناك جواب قد يكون أوضح مما تقدم، وبه فسَّر كثير من المفسرين الآية وهو أن نفي قومه للآيات كان نفيًا لعدم وضوحها واقتناعهم بها، فقالوا هذا الكلام على سبيل الاستكبار والعناد، وإلا هم في الحقيقة معترفون بمجيء هود عليه السلام بالآيات.
قال البغوي: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي ببرهان وحجة واضحة على ما تقول.
وقال الألوسي: أي بحجة واضحة تدل على صحة دعواك، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم السلام جاءوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها.
فيحمل كلام قوم هود في نفي مجيء هود بالبينات على هذا القول بعدم وضوحها والقناعة بها، والله تعالى أعلم.