وقال ابن تيمية: ولهذا لَمّا تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه: كان فيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد، وغيره: أعدلها أنه يباح للمحتاج قال أحمد: أجرة التعليم خير من جوائز السلطان، وجوائز السلطان خير من صلة الإخوان.
وأصول الشريعة كلها مبنية على هذا الأصل، أنه يفرق في المنهيات بين المحتاج وغيره، كما في المأمورات، ولهذا أبيحت المحظورات عند الضرورة، لا سيما إذا قدر أنه يعدل عن ذلك إلى سؤال الناس، فالمسألة أشد تحريمًا، ولهذا قال العلماء: يجب أداء الواجبات، وإن لم تحصل إلا بالشبهات، كما ذكر أبو طالب، وأبو حامد: أن الإمام أحمد سأله رجل، قال: إن ابنًا لي مات، وعليه دين، وله ديون أكره تقاضيها، فقال الإمام أحمد: أتدع ذمة ابنك مرتهنة؟ يقول: قضاء الدين واجب، وترك الشبهة لأداء الواجب هو المأمور.
ولهذا اتفق العلماء على أنه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة، وتنازعوا في الرزق عند عدم الحاجة، وأصل ذلك في كتاب الله في قوله في ولي اليتيم: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} .
وهكذا يقال في نظائر هذا، إذ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والورع ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ودفع شر الشرين وإن حصل أدناهما.