وعلى هذا فالذي يظهر أن الراجح هو القول الأول وهو إخراج أهل الكبائر من أهل التوحيد من النار وعدم خلودهم فيها وتأخرهم عن دخولهم الجنة، وهذا ما تدل عليه الأدلة الأخرى المبَيِّنة والمفسرة لهذا الاستثناء، ومنها ما يلي:
عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين) .
قال ابن جرير في ترجيح هذا القول: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فغير جائز أن يكون استثناء في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوب أصابوها النار، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنة فاسق ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم وما جاءت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فسد هذان الوجهان فلا قول قال به القدوة من أهل العلم إلا الثالث.
مناقشة الأقوال السابقة
أولًا: مسلك الجمع:
القول الثاني: إن سياق الآية يخالف هذا المعنى، فالذي يظهر منه أنه قد أصابهم شيء من العذاب ثم استثناهم الله تعالى بعد ذلك.
القول الثالث: فهذا القول في معنى القول الراجح ومؤيد له.
القول الرابع والخامس: يجاب عنه بمثل الجواب عن القول الثاني.
القول السادس والسابع: يجاب عنه بأن فيه إخراجًا لحرف الاستثناء لمعنى يخالف معناه
الحقيقي بغير دليل.
القول الثامن: إن سياق الآية يتحدث عن الخلود في العذاب أو في النعيم من عدم الخلود، وليس عن زيادة العذاب والنعيم من عدمه.
القول التاسع والعاشر والحادي عشر: وهذه الأقوال في معناها صحيح إلا أن الحمل على القول الأول أظهر وأقرب.
ثانيًا: مسلك النسخ:
ويجاب عن هذا القول بأنه لا نسخ في الأخبار وإنما يقع النسخ في الأحكام.
ولعل قول السدي بالنسخ يحمل على البيان والتفسير للمجمل، وهذا راجع إلى مفهوم النسخ الواسع عند السلف.
ثالثًا: مسلك الترجيح:
يحمل ما ورد عن بعض الصحابة في الحديث على الطبقة التي فيها العصاة من أهل الكبائر من أهل التوحيد، حين يخرجون منها إلى الجنة فلا يبقى فيها أحد.
قال البغوي في الإجابة عن ما ورد عن بعض الصحابة في ذلك: ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما موضع الكفار فممتلئة أبدًا.
وقال الشنقيطي أيضًا: لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن.
رابعًا: مسلك التوقف:
من لم يظهر له القول الراجح من المرجوح، ولا وجه من وجوه الجمع، توقف في الجواب عن المسألة وفوض العلم إلى الله تعالى لئلا يخوض في المسألة بلا علم ولا دليل، والله تعالى أعلم.