كل ما تقدم من الأقوال في الجمع بين الآية والحديث محتملة في دفع موهم التعارض وجائزة، ولكن الذي يظهر أن أولى الأقوال وأرجحها هو القول الأول الذي جعل الأعمال بمنزلة الأسباب وليست في مقابل العوض للجنة، لأن أعمال العباد مهما عظمت كمًا وكيفًا فإنها لا تساوي حقوق الله وحقوق نعمه على خلقه، ولكن الرب تعالى يتفضل على خلقه فيثيبهم على أعمالهم بمحض كرمه وفضله ورحمته.
وفي الحديث عن أبي بن كعب رضي الله عنه يرفعه: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم) .
ولذلك جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الباء السببية والمقابلة فقال: (سددوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة) .
ومن الأمور التي تدل على انتفاء أن يكون جزاء الله على سبيل المعاوضة والمقابلة ما يلي:
1 -أن الله تعالى ليس محتاجًا إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى عمل من يستأجره، بل هو سبحانه كما قال في الحديث الصحيح: (إنكم لم تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني) ، والعباد إنما يعملون لأنفسهم كما قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} .
2 -أن الله تعالى هو الذي مَنَّ على العامل: بأن خلقه أولًا وأحياه ورزقه، وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه، ويسر له العمل، فكيف يتصور أن يكون للعبد على الله عوض؟ وهل تكون إحدى نعمتيه عوضًا عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما؟
3 -أن عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله مقابلًا ومعادلًا له حتى يكون عوضًا، بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك العمل.