وقَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ"؛ أي وَأنْشَأَ مِنَ الإِبلِ اثْنَيْنِ؛ ذكَرٍ وأُنثى من جملةِ الثمانيةِ الأزواجٍ،"وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ"؛ ذكَرٍ وأُنثى،"قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ"؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد: إنَّكم تُحَرِّمُونَ الولدَ من الجاموس والإبلِ والبقرِ على النِّساء، فمِنْ أينَ جاء هذا التحريمُ؛ مِن قِبَل الذكور؛"أَمِ الأُنْثَيَيْنِ"؛ أي مِن قِبَلِ الإناث؟"أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ"، أي مَن الذي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحَامُ الأُنَثَيَيْنِ،"أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا"؛ أي أمْ شاهَدتُم اللهَ تعالى حرَّم هذه الأشياءِ التي تحرِّمونَها وأمرَكم بتحريْمها.
يعني إذا كُنْتُمْ لا تُقِرُّونَ بِنَبِيٍّ من الأنبياءِ؛ فمِن أينَ عَلِمْتُمْ تحريمَ اللهِ؛ أبالْقِيَاسِ؟ لأنَّ الله تعالى أمَرَ نَبيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أن يُنَاظِرَهُمْ، ويُبَيِّنَ بالحجَّةِ فسادَ قولِهم وبطلانَ اعتقادِهم، فلمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ"قَرَأهَا رَسُولُ اللهِ"على أبي الأحْوَصِ الْجُشَمِي ومَالِكِ بْنِ عَوْفٍ - وكان هو الَّذي يُحَرِّمُ لَهم، وكانوا يرجعون إليه فيه - فَسَكَتَ مَالِكُ وَتَحَيَّرَ فِي الْجَوَاب. فَقَالَ":"مَا لَكَ يَا مَالِكُ لاَ تَتَكَلَّمُ؟"فَقَالَ لَهُ مَالِكُ: بَلْ تَكَلَّمْ أَنْتَ؛ أنَا أسْمَعُ".